استعادة معنى الدولة: ذاكرة المسيحيّين
استعادة معنى الدولة: ذاكرة المسيحيّين
طلال عساف
Saturday, 07-Mar-2026 07:07

لا تكفي النيّات الحسنة ولا الشعارات الجامعة في لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الدول. ما يصنع الفارق فعلاً هي القرارات الاستراتيجية التي تنطلق من قراءة صريحة للتجارب السابقة، ومن قدرة المجتمعات على تحويل ذاكرتها السياسية بوصلةً للمستقبل لا عبئاً يثقل الحاضر. ولبنان، بما يحمله تاريخه من محطات حاسمة، ليس استثناءً من هذه القاعدة.

في مطلع التسعينات، اتّخذ المسيحيّون في لبنان قراراً مفصلياً: الانتقال من منطق الميليشيات إلى منطق الدولة. لم يكن ذلك مجرّد استجابة ظرفية لميزان القوى الذي فرضته نهاية الحرب، بل كان خياراً استراتيجياً كاملاً بالرهان على فكرة الدولة، باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار والشراكة. يومها، سلّم المسيحيّون أدوات القوّة الخاصة إلى مؤسسات الدولة، وفي اعتقادهم أنّ العقد الوطني الجديد سيُبنى على قاعدة واحدة للجميع: احتكار الدولة للقوّة واحتكارها للقرار السيادي.

 

كشفت التجربة التي تلت خللاً بُنيَوياً في مسار هذا التحوُّل. فبينما التزم المسيحيّون بمنطق الدولة، لم يتحقق التحوُّل عينه بالدرجة عينها عند بقية المكوّنات. بقيت مصادر القوة متعدّدة، واستمرّ البعض في الاحتفاظ بأدوات عسكرية وسياسية خارج إطار المؤسسات. هكذا نشأت معادلة غير متكافئة في الشراكة الوطنية: طرف راهن كلياً على الدولة، وأطراف أخرى بقِيَت تتحرَّك بين منطق الدولة وفِعل القوّة الخاصة.

 

أضحت هذه التجربة جزءاً من الوعي الاستراتيجي لدى المسيحيِّين. هي ليست دعوة إلى الماضي أو إلى استحضار فِعل الميليشيات، بل تذكير بدرس أساسي: لا يمكن لأي عقد وطني أن يستقيم إذا لم يكن الالتزام به متوازناً بين جميع الشركاء.

 

من هذا المنطلق تبرز أهمّية مبدأ Le parallélisme des formes في قراءة اللحظة اللبنانية الراهنة. نشأت الأزمات التي عرفها لبنان من تعدُّد مصادر القرار السيادي وتضاربها، ولا يمكن الخروج منها إلّا عبر مسار موازٍ يُعيد توحيد هذا القرار. لا تقوم الدولة بنصف سيادة، ولا يمكنها أن تستقر بينما يبقى قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية.

 

لبنان مجدّداً أمام اختبار من هذا النوع. تطرح المواجهة القائمة بين إسرائيل و»حزب الله» السؤال الأعمق عن طبيعة القرار الاستراتيجي. في البيئة الشيعية، تُقدَّم هذه المواجهة بوصفها معركة وجودية. غير أنّ تداعياتها الفعلية، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، تمتد إلى لبنان بأسره، بما يُعيد إحياء المعضلة القديمة: متى تتحوّل المعركة الخاصة عبئاً وطنياً عاماً؟

 

يُقدِّم التاريخ اللبناني جواباً واضحاً. مرّت كل جماعة بلحظة اعتقدت فيها أنّها تخوض معركتها الخاصة، قبل أن تكتشف أنّ ثمنها يتوزّع على الجميع. لذا، يُصبح الانتقال من فعل الصراعات الخاصة إلى منطق المصلحة الوطنية الجامعة خياراً أخلاقياً بالطبع، لكنّ الأهم ضرورة استراتيجية لبقاء الدولة نفسها.

 

لا تكمن الجرأة السياسية فقط في خوض المواجهات، بل في القدرة على مراجعة المسارات عندما تفرض الوقائع ذلك. لم يخرج لبنان من أزماته الكبرى إلّا عندما شهد مراجعات عميقة داخل البيئات السياسية والطائفية المختلفة، أعادت تعريف الأولويات على قاعدة المصلحة الوطنية.

 

الذاكرة المسيحية ليست مثقوبة ولا انتقامية. إنّها ذاكرة تجربة. تجربة الانتقال المبكر إلى الدولة، وما رافقه من اختلال في التوازن بين الشركاء نتيجة تلكُّئهم عن استيعاب القرار الاستراتيجي للمسيحيِّين بالتسليم للدولة وحدها من دون إشراك. لذلك الرسالة التي تحملها هذه الذاكرة إلى الشركاء ليست رفض الدولة، بل العكس تماماً، الإصرار على دولة مكتملة للجميع، لا دولة يلتزم بها البعض فيما يحتفظ الآخرون بخيارات موازية خارجها. ولا تكتمل هذه لمعادلة إلّا بلازمة أن يُشكّل المسيحيّون تحديداً، أولئك الذي اضطُهدوا مطلع التسعينات، الضامن والضمانة للمنتقلين الجدد إلى منطق الدولة.

 

المعادلة التي تفرض نفسها واضحة في جوهرها، وإن كانت معقّدة في تطبيقها. إذا كانت كل الجماعات اللبنانية قد دخلت الأزمات عبر منظومات قوّة متعدِّدة، يبقى الخروج منها حصراً عبر انتقال جماعي ومتزامن نحو الدولة.

وحده هذا التوازي في المسار، في المسؤولية كما في القرار، يمكنه أن يُعيد بناء الثقة بين مكوّنات المجتمع. وأي مسار غير متوازن يُبقي لبنان في دائرة التوترات، حيث تتحوّل الدولة إطاراً هشّاً لإدارة الأزمات بدل أن تكون مرجعاً نهائياً لحلها.

 

لبنان أمام خيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل. إمّا إعادة بناء العقد الوطني على قاعدة واحدة واضحة: احتكار الدولة القرار السيادي وضمان الشراكة المتوازنة بين كل مكوّناتها، وإمّا استمرار المعادلة الرثّة التي تُبقي البلد مساحة مفتوحة لتقاطع الصراعات الإقليمية.

 

في السياسة، الأخطاء التي لا تُفهم جيداً تميل إلى التكرار. أمّا الأمم التي تُحسِن قراءة تجاربها، فوحدها القادرة على تحويل الذاكرة قوّةَ تصحيح لا دائرةً مفْرغةً من الأزمات. في لبنان، ربما تكون هذه القدرة هي الشرط الأول والوحيد لإنقاذ الدولة نفسها.

theme::common.loader_icon