لم تعُد المقاربة الأمنية الإسرائيلية تقتصر على مفهوم الدفاع عن الحدود أو الحفاظ على التوازنات القائمة، بل نَحَتْ صوب رسم عقيدة أمنية أكثر هجومية واتساعاً، تقوم على إعادة رسم البيئة الجيوسياسية المحيطة بإسرائيل. تنطلق هذه المقاربة من فرضية أساسية مفادها أنّ الأمن الإسرائيلي في المرحلة المقبلة لا يتحقق فقط عبر الردع أو التحصين، بل عبر السيطرة الاستباقية على المساحات المحيطة وتشكيل منظومة إقليمية جديدة من التحالفات والوقائع الميدانية.
وسبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق دافيد بن غوريون أن عبّر مبكراً عن هذا المنطق حين قال: «أمن إسرائيل لا يُصان بالحدود وحدها، بل بالقدرة على نقل المعركة إلى أرض العدو». وهي فكرة عادت لتظهر بأشكال مختلفة في الأدبيات الاستراتيجية الإسرائيلية اللاحقة، فأضحى بالإمكان فهم الدينامية العسكرية السياسية الإسرائيلية في لبنان وسوريا وغزة، كجزء من رؤية أوسع، تسعى إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية في مرحلة انتقالية تعيشها المنطقة.
تتّجه العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تشكّلت تاريخياً حول مبدأ الردع والدفاع المتقدّم، نحو مقاربة أكثر اتساعاً تقوم على إدارة المجال الجيوسياسي المحيط بإسرائيل وإعادة تشكيله. وصار مفهوم المناطق الأمنية العازلة أحد أعمدة التفكير الاستراتيجي الجديد. تسعى إسرائيل، بدل الاكتفاء بحدود معترف بها دولياً، إلى فرض وقائع ميدانية في محيطها القريب، سواء في جنوب لبنان أو جنوب سوريا أو قطاع غزة، فتتحوّل هذه المناطق إلى نطاقات أمنية تخضع لهيمنة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة، مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرّية التدخُّل الجوي والبري والبحري متى اقتضت الضرورة. ليس هذا التصوُّر جديداً بالكامل. فقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين في ثمانينات القرن العشرين عن مقاربة مشابهة بقوله: «الأمن الحقيقي لإسرائيل يبدأ من العمق، لا من خط الحدود»، وهو ما ترجمته إسرائيل عملياً في تجربة الشريط الأمني في جنوب لبنان بين سنتَي 1985 و2000.
لا ينفصل هذا التحوُّل عن محاولة أوسع لإعادة رسم شبكة التحالفات الإقليمية. تقوم المعادلة المقترحة على تحوّل تدريجي لمركز الثقل الاستراتيجي العالمي نحو آسيا من طريق بناء محور تعاون يمتد من إسرائيل إلى قوى آسيوية صاعدة، نواته الهند، إلى جانب دول إقليمية يُفترض أن تشهد تحوُّلات سياسية في بُنيتها الاستراتيجية، كإيران. الهدف من ذلك ليس فقط مواجهة التهديدات المباشرة، بل أيضاً خلق توازنات جديدة في مواجهة قوى إقليمية كبرى مثل تركيا وباكستان، وربما مصر في بعض السيناريوهات.
ضمن هذه المقاربة، يجري الحديث عن تحييد بعض مساحات الصراع التقليدية في المشرق العربي، مثل سوريا والعراق واليمن، عبر تقليص أدوارها أو دفعها إلى هامش المعادلة الإقليمية. يقترن ذلك بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة، ومع قوى دولية وإقليمية مؤثرة، وفي مقدّمتها الهند التي شهدت علاقتها مع إسرائيل تطوُّراً ملحوظاً في العقد الأخير، سياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً. وقد لخّص الباحث الإسرائيلي مارتن فان كريفيلد هذا المنطق بقوله: «إسرائيل لا تستطيع تغيير جغرافيّتها، لكنّها تستطيع إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تحيط بها».
أمّا البُعد الأوسع لهذه الرؤية، فيتمثل في السعي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية والاستراتيجية للمنطقة، من الخليج العربي إلى الحزام الشمالي لآسيا، بما يخلق منظومة توازنات جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة. ويُنظر إلى بعض القوى الإقليمية الكبرى باعتبارها محطات صراع محتملة في المدى المتوسط، في سياق تنافس أوسع على النفوذ في آسيا والشرق الأوسط. يُستذكر في هذا السياق ما كتبه هنري كيسنجر: «الشرق الأوسط في طور انتقال تاريخي. القوى التي ستنجح فيه هي تلك القادرة على بناء تحالفات عابرة للإقليم».
بالنسبة إلى لبنان، أي تحوّل من هذا النوع يضعه في قلب المعادلة لا على هامشها. فالجغرافيا اللبنانية، المتاخمة مباشرة لإسرائيل، تجعل من الجنوب ساحة أساسية في أي تصوُّر إسرائيلي يقوم على إنشاء مناطق عازلة أو فرض حرّية تدخّل عسكري دائم. غير أنّ أهمّية لبنان في الحسابات الاستراتيجية لا تنبع من الجغرافيا وحدها، بل أيضاً من موقعه ضمن توازنات المشرق، ومن كونه نقطة تماس بين محاور عدة إقليمية ودولية.
يشكّل لبنان، بحُكم تركيبته السياسية المعقّدة وموقعه على الساحل الشرقي للمتوسط، خاصرة أمنية لإسرائيل، ونافذة استراتيجية للمشرق العربي على البحر المتوسط. لذلك، أي محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل ستأخذ حتماً في الاعتبار كيفية التعامل مع لبنان: إمّا عبر احتواء المخاطر المنطلقة منه، أو عبر فرض وقائع أمنية تحدّ قدرته على التأثير في معادلات الصراع.
من هنا، صارت فكرة المناطق العازلة في الجنوب جزءاً من تصوُّر أوسع يسعى إلى إعادة رسم خطوط التماس في المشرق. ليست المسألة بالنسبة إلى إسرائيل إبعاد خطر الصواريخ أو المجموعات المسلحة عن حدودها الشمالية، بل أيضاً إعادة ضبط التوازنات الاستراتيجية عند طول الجبهة الممتدة من الجولان إلى البحر المتوسط.
في المقابل، يواجه لبنان تحدّياً استراتيجياً مضاعفاً. سيزيد الضغط العسكري والأمني بغية فرض وقائع جديدة عند حدوده الجنوبية، في موازاة مزيد من الضغوط السياسية، لدفعه إلى إعادة تعريف موقعه ضمن شبكة التحالفات الإقليمية التي يجري رسمها. وسيكون أكثر عرضةً للتحوُّل إلى ساحة اختبار للتوازنات الإقليمية الجديدة.
الأخطر أنّ لبنان قد يجد نفسه أكثر من أي وقت مضى في موقع الدولة الواقعة بين استراتيجيتَين متعارضتَين: استراتيجية إسرائيلية تسعى إلى فرض عمق أمني في محيطها، واستراتيجية إقليمية مضادة ترى في المساحة اللبنانية إحدى أدوات الردع في مواجهة إسرائيل، في حال نجح النظام الإيراني في الصمود وإعادة ترتيب أوراقه.
يبقى أنّ لبنان قادر على تحويل هشاشته إلى شكل من أشكال التوازن. وإذا نجح لبنان في إعادة بناء مؤسساته واستعادة حدّ أدنى من التماسك الداخلي، فقد يتمكن من استثمار موقعه الجغرافي مساحة توازن بين القوى المتنافسة في المنطقة.
فهل يستطيع لبنان تحويل موقعه الجغرافي من نقطة اشتباك دائم إلى مساحة توازن، في مرحلة يُعاد فيها رسم توازنات الشرق الأوسط وحدوده غير المعلنة؟
سابقاً، قال المفكر الفرنسي ريمون آرون: «في النظام الدولي، لا تملك الدول الصغيرة قوة الفعل بقدر ما تملك أحياناً قدرة التأثير عبر موقعها».