عقب قمة طارئة خُصِّصت لبحث وضع العلاقة العابرة للأطلسي، أعلن قادة أوروبيّون أنّهم سيقترحون قريباً حزمة استثمارية لغرينلاند، وسيوجّهون جزءاً من الزيادة في الإنفاق الأمني نحو منطقة القطب الشمالي. وكشفت أورسولا فون دير لاين، رئيسة الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، عن هذه الخطوات في مؤتمر صحافي عُقد صباح أمس في بروكسل، في إطار خطة تهدف إلى ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تعمل فيه أوروبا على تعزيز استقلاليتها عن شريكها الذي يزداد تقلّباً.
أعلنت فون دير لاين: «ستتقدّم المفوّضية قريباً بحزمة استثمارات جوهرية. وإلى جانب الاستثمار، نعتزم أيضاً تعميق التعاون مع الولايات المتحدة وجميع الشركاء بشأن الموضوع المهمّ المتعلّق بأمن القطب الشمالي».
ويأتي هذا الانفراج بعد واحد من أكثر الأسابيع توتراً التي شهدها التحالف العابر للأطلسي منذ عقود. فقد كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوضّح منذ سنوات رغبته في أن تتولّى الولايات المتحدة السيطرة على غرينلاند، لكنّه صدم حلفاءه الأوروبيِّين يوم السبت، عندما هدّد بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية، إذا وقفوا بينه وبين امتلاك الجزيرة القطبية الشاسعة.
ولارتياح أوروبا، تراجع ترامب، الأربعاء، عن تهديده بفرض تلك الرسوم، واستبعد اللجوء إلى عمل عسكري في غرينلاند، ما كان قد هدّد به أيضاً. ومع ذلك، فإنّ محاولته إجبار الأوروبيِّين على السماح للولايات المتحدة بالحصول على غرينلاند - وهي إقليم يتمتع بحكم ذاتي تابع للدنمارك، التي تُعدّ جزءاً من كلٍّ من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) - أحدثت صدمات في أرجاء القارة ما زالت أصداؤها تتردّد.
وأوضحت كايا كالاس، كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي: «الكلمة التي تلخّص هذا العام هي عدم القدرة على التنبّؤ. العلاقات العابرة للأطلسي تلقت بالتأكيد ضربة كبيرة خلال الأسبوع الماضي».
وكانت إدارة ترامب قد أمضت أشهراً وهي تمارس ضغوطاً على أوروبا. فقد فرض البيت الأبيض العام الماضي رسوماً جمركية شاملة بنسبة 15% على دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن هدّد بنسب أعلى. كما أصدر في كانون الأول استراتيجية للأمن القومي، أعلنت إنّ أوروبا تواجه «محوا حضارياً»، وأيّدت جهود التأثير في انتخاباتها لصالح الأحزاب القومية.
الأربعاء، أوضح ترامب في خطابه المطوّل والمتشعّب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ازدراءه للمسار الذي اتخذته القارة، منتقداً لوائحها التنظيمية وسياسات الهجرة فيها.
حتى الآن، تعاملت أوروبا مع هذا الوضع - وهو دورة مستمرة من الدراما العالية والحلول الجزئية - بمحاولة الظهور بمظهر الطرف الراشد في غرفة تعجّ بالفوضى. فقد تجنّب قادتها التصعيد، وأغدقوا الثناء على ترامب، وأملوا ألّا تتحقق أسوأ تهديداته.
لكنّ مسؤولين حول العالم، وفي مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، باتوا يلفتون بشكل متزايد إلى أنّهم قد يحتاجون إلى استراتيجية أقوى، وإلى قدر أكبر من القدرة على الاعتماد على الذات عسكرياً واقتصادياً.
وأكّدت فون دير لاين في المؤتمر الصحافي الذي أعقب القمة: «نعلم أنّنا مضطرّون إلى العمل أكثر فأكثر من أجل أوروبا مستقلة». وقد دُعي إلى الاجتماع، الذي جمع رؤساء حكومات ورؤساء دول من الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، رداً على تهديدات ترامب الجمركية على خلفية غرينلاند، لكّنه صيغ بصورة أوسع بوصفه تقييماً لعلاقة الاتحاد الأوروبي بالولايات المتحدة.
وأكّد عدد من القادة الأوروبيِّين لدى دخولهم الاجتماع، أنّ هناك الكثير ممّا يمكن أن يُخسر إذا استمر الشرخ مع واشنطن. فأوضح رئيس وزراء إيرلندا، ميخائيل مارتن: «إذا نظرت إلى الترابط الاقتصادي، فهو قوي وواسع إلى درجة أنّ أي تقويض له ستكون له، وبشكل خطير جداً، تداعيات على المواطنين الأوروبيِّين وعلى المواطنين الأميركيِّين».
ومع ذلك، لا يكاد يوجد مجال من مجالات السياسة الأوروبية لا تعيد صياغته ولاية ترامب الثانية، التي لم يمضِ عليها سوى عام واحد. وانتهى الاجتماع بعدد من الخلاصات بشأن كيفية التعامل مع الاضطرابات القائمة.
وأعلنت فون دير لاين أنّ أحدث تهديدات الرسوم الجمركية قدّمت درساً تكتيكياً في كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، إذ إنّ «الحَزم، الانفتاح، الاستعداد، والوحدة» أثبتت فعاليتها، «نحن بوضوح في وضع أفضل ممّا كنّا عليه قبل 24 ساعة».
لكن مع تحسّن الوضع، أوضحت كلٌّ من فون دير لاين وأنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، أنّ على الاتحاد الأوروبي أن يتحوّل إلى تنفيذ اتفاقه التجاري مع الولايات المتحدة. وكان هذا الاتفاق قد أُبرم العام الماضي، غير أنّ أعضاء في البرلمان الأوروبي أعلنوا أنّهم سيوقفون تقدّمه في خضم التوترات المرتبطة بغرينلاند.
ومع ذلك، فإنّ النزاع حول غرينلاند لم يُحلّ بشكل نهائي. فقد اعتبرت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، أنّه لا يمكن التوصّل إلى أي اتفاق بشأن مستقبل غرينلاند من دون مشاركة المسؤولين الدنماركيِّين والغرينلانديِّين.
وبعدما أعلن ترامب الأربعاء عن «إطار» لاتفاق محتمل، ردّ قادة ومسؤولون أوروبيّون أنّ الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة ستناقش تحديثات على اتفاقها الدفاعي، وأنّ حلف شمال الأطلسي سيعمل على تعزيز حضوره العسكري في القطب الشمالي. وأشار قادة الاتحاد الأوروبي إلى أنّ الاتحاد سيشارك في ذلك؛ إذ أكّدت فون دير لاين أنّ التكتّل سيوجّه موارد نحو كلٍّ من غرينلاند وأمن القطب الشمالي، متعهّدةً بـ»دفعة دفاعية للمعدات الجاهزة للعمل في القطب الشمالي، ككاسحة جليد أوروبية، على سبيل المثال».