الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الجمعة 20 أيلول 2019
«بريدا».. غوصٌ في ميثيولوجيا الدين والنفس
print
favorite
في قناديل الحكايا والسحر، والشعوذة التي تشبهُ الإنطواء النفسي المتردّي بين التجرّد من الظواهر الكونيّة وبين التمرّد عليها، يبدعُ الروائي البرازيلي باولو كويلو في غربلة التهيؤات النفسية التي تتراءى في أرواحِ أبطاله في فلسفةٍ ماورائية، تنضح بعذب الصوفية ومعنى البداية والنهاية للكون.

بريدا هي فتاة إيرلندية شابة، يدفعها الفضول وخيبة الحب التي مرّت بها، وحبّ الامتلاء من المعرفة وعشق السحر، وبتشجيعٍ من حبيبها الجديد لورانس، إلى التوجّه للمجوسي الذي عُرف عنه التمكّن من السحر حيث ينتمي إلى حكمة الشمس التي تمدّ الإنسان بطاقة الفلسفة والإنفتاحِ النفسي، فيستقبلها بدهشة وحفاوةٍ باطنية، اعتقاداً منه بأنّها النصف الآخر الذي كان يبحث عنه.

يستدرجُها المجوسي إلى معرفة نفسها أكثر عندما يتركها في الغابة ليلة كاملة متوجّسة خائفة من أصواتٍ غريبة، ولكنها تولّدُ لديها قوة خارقة تدفعها للنوم بهدوء إلى صباح اليوم التالي.

تنهض وقد عقدت العزم على أن تلتقي ويكا الساحرة التي تؤمن بحكمة القمر لكي تعرف سرّ ماضيها، وتجعلها الأخيرة تعود أدراجها مئات السنين إلى الوراء لتكتشف أنّها كانت فتاة عاشقة تدعى لوني، وقد كانت ساحرة متمرّسة، في زمن الكنيسة الكاثارية، حيث قضت في الحرب ضد الفرنسيين وعاش عاشقها من بعدها حزيناً عليها، رغم زواجه مرة ثانية من أخرى.

نظرية التقمّص التي تتجلّى عند معظم الكتّاب الشرقيين والغربيين على حدّ سواء، تتّخذُ صفة التفلسف والإنعتاق من التواطؤ النفسي مع الذات لتحرّرها من قمقم اضطراب الآنية، وتنهض بالروح إلى عوالم لا حدود لها.

تجعلها ويكا تتعاملُ مع أصواتٍ ذاتية تميط لها اللثام عن الكثير من المربكات في حياتها، وتجعلها تؤمن بعظمة قدرتها الروحية، وبموهبتها الفذّة في السحر، وتقيم لها طقوساً خاصة وتعاليم مشدّدة لتطوير ذاتها وتحقيق طموحها.

تعودُ بريدا للمجوسي وقد شعرت بومضٍ غريبٍ في عينيه وهو ينظر إليها، معتقداً بأنّه وجد توأم روحه فيها، مؤمناً بأنّها النصف الثاني منه، وتشعر باضطراب نفسي وهي في حضرته، وتحارُ في مشاعرها حدّ التوتر. ما يردعها عن تحديد وجهتها هو حبيبها لورنس، الذي يحثّها على المضيّ في طريق الفلسفة والمعرفة، ويعشقها بوفاءٍ نادر، فيعجزها الإختيار.

في الطقس الأخير من السحر الذي يتوّجها ساحرة حقيقية، يحضر المجوسي مراسم الاحتفال مع ويكا وجمهورٍ غفير، وترقص بريدا عارية لتتعرّى من كلّها وتتّجه بروحها فقط إلى الآماد البعيدة، حيث لا حرب ولا كره ولا ألم ولا يقظة، وفي نهاية الحفل تقرّر أن تبقى مع المجوسي الذي يكبرها بأكثر من نصف عمرها لأنّها تجد فيه توأم روحها، إلا أنّه يرفض ويطلب منها أن تبقى مع لورنس لتكمل دربها في الحياة بسلام.

التضحية التي يرمز إليها كويلو في الرواية هي جزءٌ من لاهوت الميثيولوجيا الدينية، حيث الألم النفسي في سبيل راحة الآخرين، تماماً كما فعل المسيح عندما ضحّى بجسده المتألم من أجل أن ينقذ العالم، وفي نظر كويلو، فقد جاء غُثاءُ السرد كالسيل المتدفّق في حرية لا يسبقها إلا لهب الفضول لكشف الغيب والتمعّن في فكر الإنسان، فالسحرُ مردادٌ للتساؤلات النفسية التي تتصدعُ بها كلّ نفسٍ تتوقُ للبحث والتنقيب والتقرّب من الله.

تذكّرنا بريدا ببطل الكاتب ميخائيل نعيمة في روايته مرداد، الذي يتجسّدُ له الفلك مثل أجسادنا وربانها كمثل إيماننا، وهو يتنوّعُ في التسلسل الوصفي الذي يُحسب عليه في أسلوبه كالعادة، متّخذاً من بريدا نَصْباً لإيمانه ومعتقداته الذاتية، التي تنتحلُ صفة السحر، حتى تجدَ مبرّراً لترديد صدى صوتها الداخلي على الكون وإظهارِ الشك واليقين والحيطة والعبث والإنكار الذاتي والتبلّد الذهني والغرور السطحي والإرتواء المعرفي كلّه من خلال عالم بريدا الوهمي.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.