الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
السبت 07 أيلول 2019
نزار عبد الستار لـ»الجمهورية»: نعاني أُميّة في فن الرواية
print
favorite
غاب التاريخُ في تناول الموجة الروائية الجديدة ونادراً ما يتم الإلتفات إلى المخزون التاريخي فيما يصدرُ من الأعمال الإبداعية ويكونُ الإهتمام الأكبر لما يشهدهُ الواقعُ من تطوّرات متلاحقة. وبذلك إنضمت الرواية إلى صف الوسائط التي تُغطّي الأحداث المُتسارعة، لذا فمن الطبيعي أن تتكرّرَ الثيماتُ في عناوين مُتعددة.

إدراكاً منه لضرورة الخروج من هذا التيار، آثر الكاتب والروائي العراقي نزار عبد الستار البحثَ عن حلقاته المؤسّسة لكتابة الرواية في التاريخ، وتعتمدُ إستراتيجيته حبك مادته المسرودة على علاقة ثلاثية الأطراف (المدينة، التاريخ، المرأة). فالمدنُ تفقدُ جمالها بدون نسائها على حد قول (آينور) بطلة (تِرتِر)، وكان لـ»الجمهورية» حوار مع صاحب «يوليانا» حول مشروعه الروائي ورؤيته للحراك الروائي الجديد.

• معظم الروايات الصادرة أخيراً تدور حول مظاهر ناجمة من الحرب والتطوّرات التي شهدها العالم والمنطقة بدءاً من هجمات «سبتمبر» مروراً بغزو العراق وصولاً إلى الربيع العربي، لكنك تستلهم مادتك الروائية من التاريخ لماذا هذه العودة إلى التاريخ؟
- التاريخ هو جذر الرؤية الكاملة، والصورة لا تتضح إلّا به، فمهما بلغت درجة اندماجنا بالحدث القريب، يبقى المشهد غائماً ومشوّشاً وتنقصه الدقة. لقد واكبت الرواية العربية أحداث المنطقة منذ اواخر القرن العشرين وكان الهدف من ذلك تعميق مفهوم القضية وادلجة الصراع وحصره في مناخ ثقافي تسهل مراقبته، وهكذا ولد الادب الثوري وتفرّعت منه روايات السجون ومدوّنات الحرب التعبوية. وقتها كانت المنظومات العربية السياسية ترى الادب وسيلة دعم لنظرية السلطة، لذلك غاب التاريخ عن مخيلة الروائي وحلّت محلّه صورة المناضل المعذّب والمثقّف الملعون. بعد الربيع العربي ظهرت الرواية التسجيلية التي ترصد الحدث من عدسة مكبّرة فارتجلت المئات من الروايات عن العراق وسوريا ولبنان ما جعلها تكرّر نفسها وتصبح مملّة وضوضائية وغير قادرة على الخروج من العباءة السياسية.
في رواية «ترتر» عدت إلى نهاية القرن التاسع عشر لأنّ ّصراع القدامة مع العلم والتحديث بدأ من هذا التاريخ وما عانيناه مدة قرن من ويلات الحروب، وما شهدناه من تراجع وخسارات مرجعه فشلنا في مواكبة النهضة الحديثة. لقد استعنت بالتاريخ لخلق صورة توضيحية عن الواقع الحالي، فالتشدّد الديني ورفض الحداثة والتشبّث بالقوانين الصحراوية، وقمع روح الحياة، وسلب حق الانسان في العيش بسلام ورفاهية، وتكبيل العقل بالتبعية والجهل هي من علامات حاضرنا الملتبس. الرواية هي اعادة انتاج الحقيقة بفرضية فنية وهذا يتطلب جهداً ابداعياً والاستعانة بالمعرفيات للارتقاء بالوعي القرائي وصولاً إلى المتعة.

• الخلفية المكانية لرواية «ترتر» هي مدينة الموصل كذلك بالنسبة لـ»يوليانا» حيث تتواردُ في سياق نصّين معلومات عن جغرافيا المدينة وتكوينها الإجتماعي والثقافي وتركيبتها الإثنية. هل تأثّرت بما مرّت به الموصل من تجربة قاسية في رسم تشكيل نصك الروائي؟
- عشتُ في مدينة الموصل مدة 17 سنة وقد كتبت عنها الكثير وهي موجودة في معظم اعمالي ماعدا روايتي الأخيرة «أرض الأرجوان»، التي ستصدر قريباً عن دار هاشيت انطوان، وتدور احداثها في أماكن عدة من لبنان. الموصل هي المكان الجامع، فهي مدينة غنية جدّاً بالتنوّع الثقافي والتاريخي وتمثّل مرتكزاً شديد الخصوصية لمشغلي الأدبي، فهي ذاكرتي الأولى ومحفّزة خيالي لما تحتويه من تعدّدية دينية واثنية ومن ثراء معماري، وقد كانت الموصل هي الخلفية المكانية لروايتي الأولى «ليلة الملاك» وكذلك في «الأمريكان في بيتي» وبعد التدمير الذي لحق بالمدينة على يد داعش وجدت هناك ضرورة لإعادة بناء الموصل روائياً وهذا ما فعلته في روايتي «يوليانا» و»ترتر» وأعتقد أنني سأكرّر التجربة في روايات مقبلة.

• تحضرُ شخصيات تاريخية معروفة في رواية «ترتر»، إضافة إلى إيراد تواريخ معيّنة. كيف يمكنُ ترتيب هذه المعطيات التي لها مرجعيات واقعية في إطار العمل الفني؟
- رواية «ترتر» ترتكز على خلفية الزيارة التي قام بها الامبراطور الألماني فيلهلم الثاني إلى اسطنبول عام 1898 والتقى فيها حليفه السلطان عبد الحميد الثاني، وهو اللقاء الذي نتجت عنه فكرة مدّ خطّ سكة حديد من برلين إلى بغداد. هذا هو الاطار التاريخي الذي التزمت به الرواية اضافة إلى الصورة التي كان عليها العالم آنذاك ومظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية، واعتقد أنّ ما يميّز رواية «ترتر» في هذا الاتجاه أنها لم تكن أسيرة الواقعة التاريخية وأنّ الجهد الفني وازن بين الانطباع الحيّ للحدث وبين التماهي الحاصل مع مفردات زمن الرواية. الشخصيات التي تشير إلى التاريخ هي قليلة وغير فاعلة في الاحداث، لكنّ الرواية في العموم كانت تحرك نوازع القارئ كي يقتنع بها كعالم حقيقي. التفاصيل الحياتية كثيرة جداً في الرواية وهذا ما جعلها قادرة على جذب القارئ من البداية الى النهاية والتعاطف مع بطلة الرواية في خروجها عن سياق مهمتها المكلفة بها في الموصل. الرواية ذات الاجواء التاريخية تعدّ مغامرة صعبة ذلك لأنّ الكاتب قد تخذله الفراغات، وبدلاً من السيطرة على الفضاءات ينغلق على الشخصيات والاحداث ويجعلها غير منتمية لزمانها ومكانها. في «ترتر» انتبهت جيداً لوظيفة التأثيث المكاني وخصوصية الثقافات الالمانية والتركية والعربية وكان لزاماً عليّ التفكير في إقناع القارئ الأجنبي، لذلك تبدو آينور هانز ألمانية بتفكيرها ومظهرها وطريقة تعاملها مع الظروف المحيطة بها. أعتقد أنّ الرواية نجحت فنّياً في إقناع المتلقّي.

• ثنائية المرأة والمدينة تؤطر عملك الروائي لا سيما في «ترتر»، إذ تصبحُ آينور والموصل وحدتين مُتكاملتين. هل أردت بذلك إنصاف المرأة التي قلّما يذكر دورها التاريخ الرسمي؟
- ثنائية المرأة والمدينة هي جوهر رواية «ترتر»، فآينور هانز جاءت لتنقل الموصل من عصر إلى آخر وهو دور تنويري لا يمكن لأحد أن يلعبه سوى آينور المؤمنة بقلبها وحسّها واصرارها على حب الحياة وتحقيق العدالة الاجتماعية. نعم، هذه الرواية تنصف المرأة وتعلي مكانتها وتحثّ النساء على الاقتداء بآينور هانز، علماً أنّ بطلات رواياتي في غالبيتهن يملكن الروح القيادية. المجتمع الذي لا يرفع المرأة ويصادر حريتها ويحجّم فعلها هو مجتمع غير متحضّر ولا يمكن له النموّ بشكل سوي.

• إلى جانب تأليف الرواية لديك مساهمات لافتة في مجال الصحافة. أين حسّك الصحافي من كتابة الأعمال الإبداعية؟
- دخلت إلى الصحافة من باب الأدب وهذا الأمر جعلني انتبه لخطواتي جيّداً واتعلّم من الصحافة الكثير. الأمر يحتاج إلى القدرية والحب والروح المكافحة، واعتقد انّ مشتركات الأدب والصحافة تجعل التجربة غنيّة فعلاً. لقد استفدت من عملي في الصحافة بكتابة رواية «الأمريكان في بيتي»، واعتقد أنّ هناك المزيد عليّ إنجازه في هذا المجال.

• تتصدر الروايةُ المشهدَ الثقافي، فأصبحت فنّاً أكثر تداولاً في وسائط إفتراضية. برأيك هل يبلورُ هذا التضخّم الروائي وعياً جديداً لدى الفرد؟
- التضخم الروائي الحاصل لا يخدم الرواية العربية بل على العكس يؤشر إلى تراجع خطير في المستوى الفني. لقد تكيّفت الرواية العربية مع المتلقي غير القارئ ومع المستهلك غير الماهر وبالتالي ضعف الفن وغابت المخيلة القادرة على ابتكار العوالم، وأخذت الرواية العربية تتسطح لتكون قريبة من ثرثرة المدوّنات. نحن نعاني من أمّية في فن الرواية وفوضى استهلاكية جاهلة.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.