الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الاثنين 26 آب 2019
الوظيفة الإستكشافية في رواية «ليس لهافانا ربّ يحميها»
print
favorite
يختلفُ البعدُ المعرفي الكامن في النصّ الروائي عن الصيغ السائدة لأشكال المعرفة في مَجالات أخرى، وأيّاً كانَ موضوع العمل الروائي والخطاب الذي يعبّرُ عنه، لا يمكنُ التعامل معه إلّا بوصفه أثراً أدبياً يتوفّرُ فيه عنصر الإمتاع وبالطبع تتضايفُ في هذا السياق وظائف متعدّدة يتمُّ إدراكها مع تتابع الشريط السردي.

ما يلاحظهُ القارئ في رواية «ليس لهافانا ربّ يحميها» للروائي الجزائري ياسمينة خضرا، هو إرتحال الكاتب نحو جغرافية ظلّت متواريةً وراءَ شعارات وأسماء مُعيّنة، والغاية من ذلك هي إستكشافُ الجزيرة المنعزلة والبحث عن أصوات حميمة غير صوت الزعيم في فضاء مدينة هافانا.

ولم يكن إختيارُ الكاتب لشخصية خوان ديل خونافا، وهو يمتهنُ الغناء في الملاهي، بطلاً لسرديته مجرد إجراء إعتباطي بل الغرض من هذا كما يتّضحُ لاحقاً هو الإبانة عن حبّ المرح المُتأصّل في الروح على رغم مظاهر البؤس التي تغزو الحياة.

صانع البهجة

يطلقُ المعجبون على «خوان» لقب «دون فيغو»، بمعنى سيد النار، لأنَّ صوته يُلهب المسارح. يوكلُ صاحب «سنونوات كابول» للشخصية الأساسية مهمّة إدارة دفّة السرد، وبذلك يكونُ الراوي مُتضمّناً في النصّ، ما يعني أنَّ «دون فيغو» يحتفظُ بدوره المحوري من بداية الرواية إلى أنْ تتوقف حركةُ السرد.

وتتقاطعُ ضمنَ الرواية سيرة الفنان مع المعلومات المذكورة عن حياة شخصيات تدخل إلى مسرح النصّ بالتدرّج. إذن، تنتظمُ الشخصيات في البيئة السردية العامة كما يتحوّلُ «دون فيغو» إلى نواةٍ أساسية ينطلقُ منها الحدث الروائي. إذ يبدأُ بسرد وقائع حياته وهو يذوق مرارةَ خسارة الأم بحادث سير، وعلى أثر ذلك يحاول الأبُ نسيان مأساته بالإسراف في شرب الخمر إلى أن ينتحر، ولم يرتح فيغو ولا أخته سيرينا بالعيش على كنف العمة.

لذلك، تتزوج الأخت برجل سكّير أولاً يسيءُ إلى فيغو ويعنّفه، ومن ثمَّ تنفصل عنه لتتزوّج خافيير الذي يفقد في حرب أنغولا إحدى رجليه، ويعودُ فيغو إلى بيت أخته بعد إنفصاله عن ميلينا، وما يمرُّ كثير من الوقت حتى إنضمَّ إليه إبنه ريكاردو في هافانا، بينما تظلُ إيزابيل إلى جوار أمها في ريغلا.

وما يضعُ نهاية سريعة للحياة الزوجية هو غيرة ميلينا على ما يحظى به زوجها من الشهرة وإنهماكه في أعماله الفنية لحدّ فاته تاريخ ميلاد إبنته. والمُلفت أنَّ ميلينا يتبدّلُ موقفها بعدما تترتبط بموظف الجمارك وتعودُ لمغازلة زوجها الأول، مبدية رغبتها في التواصل الجسدي معه. هكذا، ينسابُ السردُ فاتحاً مداره في كلّ مفصل على شخصية جديدة.

لا تستمرُّ حياةُ فيغو على وتيرة واحدة بل يختبرُ تجارب مُضنية، فهو يصطدم بما يسمعه من مديره بأنَّ ملهى بوينا فيستا إنتقلتْ مُلكيتهُ إلى عهدة سيدة من ميامي، ما يعني أنَّ صوتَ فويغو أصبح مُفتقداً لفضائه الرحب.

هنا يلوحُ في ذهن القارئ السؤالُ عن مصيرِ الفنان الذي خسرَ مهنته وهو على مشارف الستين من عمره، وبهذا زادت مُعاناته وأرغم دون فويغو الذي كان يغني لفيدل وماركيز وبريجينيف أن يحملَ همّه نحو مؤسّسة أدولفو غوزمان وهي بمثابة نقابة الفنانين، لعلَّ يجدُ بارقة أمل، لكن يخذله الموظّف الشاب بكلامه مشيراً إلى أنَّ كل شهرة هي نتيجة ظروف معيّنة والرهان على الجمهور لن يكون رابحاً.

لا يتوقف فويغو عن البحث في المطاعم والملاهي إلى أن يتذكّر صديقه في الجامعة أوريمي أنشيا، فالأخير هو مدير «إسميرالدا»، لكن لقاء الإثنين لا يغيّرُ شيئاً من حياة الفنان عدا أنَّ فويغو يستعيدُ قصة وقوعهما في غرام فتاة واحدة إسمها مارسيدس، نجحَ أوريمي في خطفها دون أن يؤثّر ذلك على علاقة الصديقين بل قد غنى فويغو في حفلة زواجهما.

وهذا ما يظهرُ تكوينه الشخصي المتسامي على الإعتبارات التي قد تشغله عن الفن. يُذكر أنَّ شخصية بانتيشو الذي يُفتتحُ بكلامه حلقات الرواية يعود إليه الراوي في المقاطع اللاحقة لافتاً إلى تفصيلات حياته.

عاش بانيتشو حياة صاخبة وتشهدُ باريسُ ومكسيكو وسيدني على براعته في عزف البوق ومشاركته الفعالة في حفلات أسطورية. زد على ذلك أنه كان متيماً بالنجمة السينمائية ريتا هيوارث وخالط فئة المهربين قبل أن ينعزلَ في كوخه بكازابلانكا ويتخذَ مظهر رجل حكيم.

حبّ متأخر

تنبسطُ على مساحة هذه الروايةِ قصصٌ محمولة بشحنة رومانسية ماينعكسُ على الأسلوب واللغة التي تنزعُ إلى الشعرية المُطعّمة بنكهة التصوّف والحكمة، ولا يصعبُ عليك إدراك التناغم بين وعي الشخصيات واللغة المحكية.

ما ينطقُ به بانتيشو عن معنى الحلم وتحقيق الهدف ينمُ عن تجربة متراكمة كما لايتمكّنُ فوغيو من التعبير عن عاطفته إلّا بعدما يعصفُ به حب فتاةٍ غريبة الأطوار ويحسمُ خياره مقتنعاً بأنّ «في الحبِ كل تراجع أو تنازلٍ أو تخلٍ هو نوع من الموت المجاني» والعبارة توحي بإنطلاقة مرحلة جديدة في حياةِ الفنان تنساقُ لحظاتها على إيقاع علاقته مع ماينسي التى تعرّف اليها داخل ترامٍ وهي هاربة من الشرطة وفقدت أثر أخيها هنا تنتقلُ ماينسي إلى مركز السرد وتزاحمُ الفنانَ حضوره في المشاهد المُتتالية.

إلى أن تتكثف الأضواءُ على الإثنين ومن خلال الحوار الذي يدور بينهما بأنَّ تلك الفتاة قادمة من منطقة على بعد كيلو مترات من مانزانيللو. يُشار إلى أنّ الأسماء المؤشرة إلى المدن والمناطق الجغرافية مبثوثة في تضاعيف العمل.

يلاحقُ فوغيو طيفَ عشيقته بعدما تتركُ البيت رافضة تحرشات إبن أخته وفي مفصل آخر من الرواية يتابعُ المتلقي حياة العاشقين في شقة بأحد الشواطئ ويشارك كلاهما في حفلة بمناسبة العيد الوطني، لكنّ التلميحات الواردة عن حالة التوتر في شخصية ماينسي تنبئُ بإنقلابها بحيثُ تصبحُ شرسةً، وليس ذلك سوى نتيجةٍ لمحاولة الإعتداء عليها إذ يصلُ بها الغضبُ إلى الجنون ويُطعن حبيبها الستيني بسكين، وعلى أثر هذا الحادث يرقدُ في المستشفى عدة أيام.

ولاتنتهي الرواية دون أن تصطفي قصة ماينسي إلى ما يغطيه السرد من المعطيات الشخصية ويكون ذلك بموازاة رحلة يقومُ بها الفنان نحو البقعة التي أقامت فيها كانديلا التي تنكر باسم ماينسي.

من المعلوم أنَّ هذه المُفاجأة المُتسلسلة تُضاعف من منسوب التشويق في مروية ياسمينة خضرا التي تفوّقت في توظيف تقنية الوصف لتوغل في جغرافية مدينة يقايضُ شبابها الحب بالهجرة، وهذا ما يتمثلُ في تجربة ريكاردو مع ماريا حيثُ أقنع الأخيرة بالزواج من الرجل الإسباني آملاً بأنْ تدبّر له الحبيبة أمرَ الهجرة. ليست هذه الرواية من فصيل مما نشره خضرا سابقاً نظراً لإختلاف البيئة والثيمات المبثوثة في جسد النص. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.