الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الخميس 15 آب 2019
إليف شافاك وسحر الحكاية
print
favorite
تختار الكاتبة والروائية التركية، إليف شافاك، منطقة جديدة لروايتها «البنت التي لا تحب إسمها». فبدلاً من الاشتغال على التراث الصوفي أو المُعتقدات العقائدية المتعددة أو الإختلاف في الهويات، تتناول مشكلة معاصرة إنطلاقاً من سرد حياة طفلة تكره إسمها. لا تسمّي الكاتبة المدينة التي تعيش فيها الصغيرة، بل تكتفي بوصف العمارة التي تقيم فيها، مع الإشارة إلى ما تفضّله من الفواكه وأمنيتها بأن يكون لديها قط أو حصان أو ماعز أو كلب، لكنّ الأم لا يعجبها وجود هذه الحيوانات في البيت.

نتيجة مُطالبة الإبنة المُلحّة بامتلاك حيوان، يهديها أبوها سلحفاتين مائيتين تطلق عليهما تسمية «الليل والنهار»، غير أنه لا يوجد ما يميّز بينهما. وبما أنّ هذه الفتاة تَهتمُ بقراءة الكتب وتَصَفّح الموسوعات وسماع الموسيقى واللعب بالكرة إلى جانب تخيّل أشكال مألوفة من الغيوم، لذا سرعان ما تعرف أنّ السلحفاة تأكل الديدان فتَجمع عدداً منها في القارورة لتطعمَ «الليل والنهار»، لكنّ والدتها خيال ترفض ذلك أيضاً، ويكون الحل إطعام السلحفاتين ما يأكله أفراد الأسرة.

عقدة الإسم

تأتي هذه التلميحات إلى اهتمامات زهرة ساردونيا وأجواء البيئة الأسرية، فضلاً عن تبيان بعض مواصفاتها الخارجية. قبل الانتقال إلى الحلقة الأساسية في مدماك العمل، وهي عقدة الإسم، إذا صح التعبير، حيث ينقل الراوي كلّي العِلم مشاعر الفتاة عندما يلفت نظرها خبر مَنشور في الصحيفة التي يتابعها الوالد حول الأسماء الغريبة التي أطلقها مشاهير الفن على أبنائهم، وبهذا تُدرك أنَّ إسمها ليس استثناءً، بَيد أنّ هذه الأسماء غير المألوفة أقل غرابة مع ما يشير إلى شخصها زهرة الساردونيا.

الجدل

تقوم الرواية على بنية جدلية تَنتظم من خلالها العلاقة الكائنة بين الطفلة والعالم المكوّن من المفردات والسلوكيات، التي قد تبدو مُتناقضة بالنسبة إليها. وما يشغلها أكثر من أي شيء آخر هو تركيبة اسمها، لذا تسألُ الأمَّ عن إمكانية استبداله بإسم جديد، غير أنّ موقف خيال لا يتغيّر أمام أسئلة ابنتها ومطالبها، مُحذّرة ساردونيا من خسارة إسمها بحيث تصبح شخصاً لا يمكن التعامل معه إلّا عبر الضمائر. والمستغرب في كلام الأم وتفسيراتها هو إضفاء الصفات الإنسانية للأشياء والأطعمة، فحبّات الأرزّ تبكي إن تركتها في الطبق وهذا ما لا تفهمهُ ساردونيا، وبناءً على هذا المنطق تسأل: هل يتألم التُفاح إذا تم تقشيره؟ ومن ثمّ تعللُ استخدام الأم لمُستلزماتها بالإستمرار على المنوال نفسه.

يذكر أنّ المتلقّي يتقيّد تماماً بمستوى رؤية الراوي في متابعة يوميات الفتاة الصغيرة، فبعد معرفة شخصية ساردونيا ضمن بيئة الأُسرة يتحرّك السرد نحو فضاء المدرسة. هناك، تتفاقم المشكلة ما عدا معلمة العلوم التي تذكر إسمها كاملاً من دون أن يتجرّأ الطلاب على السخرية، لأنّ بقية المعلّمين ينادونها إمّا بـ«ساردونيا» أو «زهرة». أكثر من ذلك، تهتمّ المعلمة ليلى لأسئلة زهرة ساردونيا، ما يشدُّ الأخيرة إلى مادة العلوم أكثر، بينما لا يطيب لها درس الحساب.

وتَنكبُ على مطالعة الأطلس عوضاً من الاستماع إلى المُعلّم سنان، المشهود له بصرامته، مُتتبِّعة خريطة اليابان، فهي واقعة في الشرق الأقصى بالنسبة لبعض الدول وفي الشمال الأقصى لغيرها. طبعاً، الغاية من إيراد هذه المعلومة هي الإبانة عن اختلاف وجهات النظر وفق موقع المرء، وبالتالي إنّ الأحكام لن تكون مطلقة. طبعاً تعبّرُ هذه الفقرة عن مبدأ الانفتاح والتسامح الذي تعالجه مؤلفة «بنات حواء الثلاث» في رواياتها.

تناقضات

الوحدة التي فُرضت على ساردونيا لم تدفع بها نحو الإنطوائية. صحيح منعتها الأم من الاختلاط بالآخرين، لكن عوّضَت الصغيرة فراغها الاجتماعي ببناء عالمها الخاص. وكانت ترمي أسئلتها الممنوعة في الكيس الذي سَمّته بكيس الأسئلة.

وتميّزت ساردونيا بقدرتها على تجاهل مُشاكسات الطلّاب ومواصلة السؤال عن الأشياء وإدراك التناقضات القائمة في تصرّفات الكبار، فهم ينظّفون بيوتهم ومكان إقامتهم ويهملون نظافة المدينة. أضف إلى ذلك ما برح هؤلاء يؤكدون على أهمية القراءة من دون أن يقرأوا الكتب متذرّعين بضيق الوقت.

والمثير في عالم الكبار هو غرابته وما يتمتعُون به من الحرية، لذا تتشَوّق الصغيرة للانضمام إليهم. فتقتنص الجمل والعبارات التي أصبحت لازمة للكبار، وإذا رأت أحدهم أبعد بنظره فهذا يعني أنه يريد إخفاء أمر ما. هكذا يتوالى السرد إلى أن تأتي لحظة سفر الوالدين على رغم عدم إعلان الغرض، لكن تعرف ساردونيا أنّ والدها يحتاج للمُعالجة خارج البلد. تنتقلُ الإبنة إلى بيت الجدة في الضاحية، وهذا التطور يصحبه اكتشاف سرّ الكرة التي وجدتها بين رفوف مكتبة المدرسة. إذ داهمها مرض الوالد قبل أن تخبر الأهل بما أخذته أو تعيده إلى المكتبة.

تدوّنُ ساردونيا في مذكراتها الموسومة بالشجرة خبر انتقالها إلى بيت الجدة، موضِحة السبب مع الإشارة إلى المدّة التي من المفترض أن تمضيها هناك. تمرّرُ شافاك على لسان الطفلة أسئلة عن التمييز الجنسي بين الرجل والمرأة، وحينَ كانت ساردونيا ترتشف الشاي فكّرت هل يمكنُ أن تصبح الفتيات باشا يوماً ما؟ ولم يمرّ كثير من الوقت على مكوثها في الضاحية حتى تخرج ساردونيا من عزلتها وتكتسب أصدقاء يرافقونها في رحلات، وكلّ ذلك بفضل مجسّم الكرة التي رُسمت عليها القارة الثامنة، وهذا ما أثار إعجاب ساردونيا لأول وهلة.

لعبة ذهنية

تتعرّف ساردونيا إلى زهرة وأخيها أصوتاي الذي تسأله عن معنى إسمه، فيردُّ بأنه بمعنى صغير الحصان العصبي ومن ثمّ تكشف عن هوية بلدهما «أفهما» وخصوصياته. وما يقوم به الإثنان هو جمع الأفكار من بلاد مُتعدّدة ونقلها إلى «أفهما» لتُصنعَ منها القصص والحكايات، وبذلك تَقيّضت فرصة التواصل بين «أفهما» وبلدان أخرى. وتضيف زهرة مشيرة إلى دور القراءة في إزدهار الطبيعة، كلّما قرأ الطفلُ قصة تتفتحُ زهرة ويغرّد عصفور في القارة الثامنة، وما يهدد تلك القارة العجيبة بالجفاف هو عزوف الأطفال عن القراءة وإدمانهم الالكترونيات، ولم يعد لديهم أحلام وخيال، ما يعني غياب المغامرة والإبداع.

وتكمن أهمية الإثنين في القيام بإنقاذ موطنهما عبر جمع مزيد من الأفكار، قبل أن تحلَ الكارثة. والأغرب في الأمر أنّ زهراء وشقيقها يتبعانِ الإشارات المنبعثة من الكرة الموجودة لدى ساردونيا، ويتمّ شحنها بالطاقة خلال وضعها بين الكتب، وتضعفُ طاقة الكرة عندما تنتقلُ ساردونيا إلى بيت جدتها الفارغ من الكتب.

وتسمع الصغيرة بأنّ هناك عدداً من المؤلفين والرسّامين قد سافروا إلى القارة الثامنة، لذا تتشجّع لمرافقة صاحبيها في رحلة العودة. قبل ذلك، يتطلب السفر شحن الكرة، فتتكفّل ساردونيا بإيجاد حلٍ من خلال قرطاسية السيد نظمي. وبينما يَنشغل الأخير بتلبية مطالبها، تضع زهراء الكرة بين الكتب ثمّ تبدأ الرحلة. تعبر ساردونيا برفقة الإثنين بغابة الخيارات، ما يصادفها يُضاعف لديها الشعور بالذهول وتتحقُ رغبتها بتناول الشكولاتة إلى أن يجد الأصدقاء أنفسهم أمام طرق مجهولة (التراب، الماء، النار، والهواء) فيتم اختبارُها.

وفي هذه الإثناء تضيع الأفكار التي جمعتها زهراء مع أخيها بفِعل هبوب الرياح. بدورها، تقدّم ساردونيا لهما حلاً بتوزيع الأوراق والقلم على أطفال القارة الثامنة، وبذلك لا يكلّفهما الأمر عناء جمع الأفكار في بلاد بعيدة، وما يوفّر عنصر التشويق في رحلة الأصدقاء الثلاثة هو اللعبة الذهنية المتمثلّة بالأحاجي التي من المفروض الإجابة عنها.

ما يجبُ الإشارة إليه هو ذكاء إليف في نحت شخصية الطفلة ومستوى اللغة القريبة للحكايات التراثية، ومقاربة مشكلة البيئة وغزو الالكترونيات للحياة، إضافة إلى إعلاء قيَم التسامح والحوار من دون أن ينطبع نمطها بالوعظية. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.