الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
الأربعاء 14 آب 2019
روسو.. الأب المؤسّس لفن السيرة الذاتيّة
print
favorite
«إننى أقوم بمحاولة ليس لها مثيل من قبل، إننى أريد أن أوضح لأمثالي إنساناً في صورته الطبيعية والحقيقية، وهذا الإنسان هو أنا». هكذا عبّر جان جاك روسو عن تجربته في كتابة السيرة الذاتية، التي كان فيها المؤلف والبطل والسارد والناقد، ولم يترك للتعتيم المزاجي على فيض السرد فرصةً لتبنّي عمله أو تسييره أو التحكم به، بل قدَّم نفسه كما رآها أو ربما مثلما تخيّلها في مرآة أعماقه.

في كتابه «اعترافات»، تصدّى روسو لمنطق التقييد بقواعد الكبت الذاتي لمشاعر «الأنا»، والتعتيم على الإرتواء الذاتي من مناهل التجارب الشخصية، الذي يصدّ كثيرين من التجديف في يمّ التلاطم الذهني والسردي للحقيقة المطلقة، وانطلق يقرُّ بأسرارٍ شخصية وحميمية، وهو القائل: «الحرية صفة أساسية للإنسان، وحق غير قابل للتفويت، فإذا تخلى الإنسان عن حريته فقد تخلى عن إنسانيته وعن حقوقه كإنسان».

الشعور بالظلم الفادح
لقد عاش روسو تحت وطأة «البارانويا» أو الشعور بالظلم الفادح والملاحقة من الآخرين، وعرّى أحاسيسه وتجاربه في كتابه، وكان يمرّ بوضعٍ نفسي وصحي عسير، وركّز على خلافه مع الموسوعيين وخاصة ديديرو وغريم، وقد خاض الحرب الضروس مع القساوسة السويسريين، وهو الذي لطالما آمن بوجود الله خارج اطار الدين، ونال اعجاب نيتشه الذي شاطره ببعض التوجّهات البصرية التي تركز على مهاجمة رجال الدين، واختلف معه الأخير بكفره المطلق بوجود الله. وقد قال فيه: «روسو هو ذلك الرجل العصري الأول، المثالي والوغد في شخص واحد، المريض بقرف مسعور من ذاته، ذلك الطرح الذي ضرب أطنابه عند عتبة الأزمنة الحديثة».

سبق زمنه
في الكتاب كلماتٌ يعلنُ فيها بأنّه سبق زمنه في تجربةٍ أدبية لا تتوخّى الحذر أمام العقبات التي قد تنشأ في سبيل قول الحقيقة، شاهراً سيف الصدق، عازفاً على كمنجة الاعتداد بالنفس والترويج لأفكاره الجريئة فيقول : «سأبدأ بمشروع ما قام به أحد من قبل، ولن يقدر غيري فيما بعد على تكراره. ارغب برسم صورتي بكل صدق الطبيعة للقارئ. انا فقط اعرف مشاعري وأسرار قلبي، وأدرك كم اختلف عن كل مَن أراه حولي من الناس. أغامر بالقول إنه ليس هناك مثيل لي على قيد الحياة، وهذا لا يعني أنني افضل بالضرورة، بل إنني من نوع آخر فحسب. سيكتشف القارئ بعد قراءة هذه الصفحات هل أخطأت الطبيعة في خلقي، ام صنعت الأفضل».

إحراق كتبه
لقد فوجئ روسو بأنّه عندما قصد المجالسَ الأدبية وتلا بعضاً من فصول كتابه هذا «اعترافات»، بأنه لم يجد أذناً صاغية له، ولا عيناً ترقبه بالإعجاب كالعادة، ولكنّه ازداد إصراراً في المضيِّ بمشروعه الأدبي حتى النهاية، لأنه من المؤمنين بأنّه وإن لم يُنصف عمله الزمن الذي يعيش فيه فسينصفه التاريخ، وقد كانت كتبه قد أحرقت في باريس وجنيف، وإحساس الظلم يتفاقم في حفر جروحه في قلبه، وخاف أن يقدّمه المؤرخون في صورةٍ شريرة آثمة، فروّج لسيرته الذاتية دفاعاً عن صورته وسمعته في عيون قرّائه.

مغامرات
وفي الكتاب فلسفةٌ تحثّ على الحرية في العلاقة قائمة على المساواة بين الفرد والجماعة، وتحوي كل الأطراف المتنافرة تحت راية العدل. كما يتضمن الكتاب فصولاً عن مغامرات الكاتب النسائية وعلاقته بأولاده.

روسو كاتبٌ اقتحم غمار الإبداع من أوسع أبوابه، فأوسع الكون فكراً وفلسفة، وبنى تجربة السيرة الذاتية على أسسٍ صلبة متينة، مهّدت لمن جاء بعده من كتاب وضعوا سيرتهم الذاتية رهن التحقيق والبحث، مثل عميد الأدب طه حسين، وعباس العقاد وغيرهما، مع احتفاظ الأخيرين بمبدأ التعتيم على نواة حياتهم، والتقتير من تقديم المشاعر الحقيقية لمعاناتهم في قوالب السرد، فيما أصرَّ روسو على الوضوح الكلي ليتستقطب تضامن القارئ.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.