الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الأربعاء 07 آب 2019
«الملكة والخطاط»... غزلُ السرد على الطريقة اليهودية
print
favorite
لطالما نَصّت الكتب السماوية، سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن، على أنّ القبائل اليهودية كانت 12، وقد أنشأتها سلالة النبي يعقوب الذي لُقّب بإسرائيل.

عاش الكاتب اليهودي موسى عبادي في حارة اليهود الدمشقية، وقد استوطَن كثير من اليهود دمشق ومكثوا فيها قرابة الـ3000 عام، مِثلهم مثل المسيحيين، ولم يتعرّضوا للاضطهاد أو الظلم، بل انخرطوا بين صفوف الديانات الأخرى بحريّة وانفتاح، وهذا ما حَدا الكاتب عبادي إلى إصدار مجموعته القصصية «الملكة والخطاط»، والتي يدور السرد فيها حول الأوضاع السائدة في نهاية الحكم العثماني وبداية الانتداب الفرنسي.

حكواتي

يبدأ قصته الاولى «الملكة والخطاط» على طريقة الحكواتي الذي يقرع ناقوس التعبير اللامباشر للأحداث، وطلائها بقشورٍ عادية تخفي تحت معالمها مؤشّرات سياسية خطيرة. حيث تَفد لحارته ملكة تدعى «صالحة ستيتية»، وتحاول أن تفرض سيطرتها ووجودها بادّعائها الإنتماء إلى أسرة يهودية مترفة وأصيلة العرق في الحارة اختفت إحدى بناتها فجأة، وتقمّصت شخصية الفتاة الغائبة التي تعود من مملكة خرافية ابتَكرتها من بنات أفكارها، وتغدق عليهم الجواهر والأموال، ولكنها تمضي بعد حين إلى حال سبيلها، مُخلّفة ذكراها للحارة التي يجسّد معابرها ومعالمها الخطاط يعقوب، ويختصرها بالعيش إلى جانب جيرانه «الغرباء»، ودلالة كلمة الغرباء في النص تعود إلى الفلسطينين الذين اغتصبت أرضهم ولاذوا إلى دمشق، وتحديداً حارة اليهود، للعيش فيها.

المحسوبيات السياسية

يتطرّق عبادي في قصة أخرى إلى الصيرفي لارنادو الذي انتخبوه ممثلاً للطائفة اليهودية في البرلمان، إشارة إلى المحسوبيات السياسية التي تلعب دورها في كلّ مجتمع وزمن.

ثم يشير في قصة أخرى إلى البعد الإنساني للفاقة، فيتكلم عن «أبي سارة»، وهو اليهودي التائة الذي يجهل الناس أصل تسميته وعمله، وما ميّزه أنه يشحذ للشحادين.

ثم يعرّج على قصة الحلّاق الذي يفحص مؤخرة الدجاج ليحكم بصحتها من عدمها، معرّضاً عمله للخطر بعد أن يثير قرف الزبائن منه، فيغلق محله ذات يوم، ويجلس حزيناً. من دون أن ينسى قصة الحاخام حسون الذي ما زال يبشّر ويتنبّأ بقدوم المسيح.

حكاية بدو

في قصة «حكاية بدو» يقدّمُ موسى العبادي وجهة نظره الإنسانية من خلال حديثه عن البدو، الذين تَوارَثوا عادة زيارة جده وأهله عن والد جدّه الذي ساعدهم يوماً بعد أن تدهور به العطش في الصحراء حدَّ الهلاك فأنقذه سائرٌ من البدو، وشرح له عن سوء حالته الصحيّة وحال ماشيته التي انقرضَت بسبب الحر، فقرّر الجد أن ينقد البدوي مالاً ليشتري به بعض الماشية، وذهب في حال سبيله.

ولكن ما إن مرّت سنتان، حتى دقّ باب البيت وانتصب البدو أمام عيني الجد الذي ظَنّ أن المسألة انتسَت بهذه السهولة، وقد جلبوا له السمنة وجلد الماعز والحاشية، ورأس جدي صغير لاعتقادهم بأنّه يستحق نصيبه من الماشية لأنّه ساهم باقتنائها ودفع ثمنها.

هنا يرمز عبادي إلى وحدة العيش بين اليهود والمسلمين، مشدّداً على ضروة الإنفلات من قبضة الحقد التي يعيش فيها الطرفان.

يتكلم عبادي بشكل مقتضب عن العادات التقليدية التي تسود البلاد، ولكنّه يأبى أن ينظر في عيني الحقيقة، وهي أنّ الحقد قد نَشب أظافره في القلوب التي تبحث عن ملّتها فقط من دون انصياع لأوامر الله في وحدة التعايش وعدم التعدّي على الآخر.

تلميح سياسي

هناك قصص تبدو عصيّة على الفهم ربما لسقوطٍ خفيف في الترجمة، أو لخضوع القصص لنمط السرد الأدبي «اليهودي» الذي يعبّر عن مجتمع نجهله بخلاياه وسراديبه وانتماءاته. وهذه المجموعة القصصية صدرت باللغة الفرنسية، متضمّنة بعض العبارات العربية التي يشير إليها المؤلف.

الكتاب يبدو ذا تلميحٍ سياسي، وهو على بساطته يتجوّف بالفجاج العميقة المنحدرة والشديدة الانحدار، والتي تدركُ أنّ الحرب في طيّاتها لم تسعف عِشرة عمر، أو صداقة قديمة مفتوحة، أو شعوذات واعتقادات بالية كان لها عظيم الأثر في الروح.

وقد غزل العبادي السرد على الطريقة اليهودية لينقل إلينا روحها، ويثبت لنا أنّهم بشر يتألمون مثلنا، ويتصبّرون بأرض الميعاد التي يلمّح إليها الكاتب في غير مكان من روايته. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.