الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 30 تموز 2019
شخصيات على حافة في رواية «هل تحبين برامس؟»
print
favorite
يعود اهتمام الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان بالبعد النفسي إلى روايتها الأولى «صباح الخير أيها الحزن»، التي أطلقت شهرتها وتوّجت صاحبتها نجمةً في عالم الأدب. والملفت في هذه الرواية هو ما تختبره البطلة «سيسيل» من مشاعر متناقضة، خصوصاً بعد وفاة غريمتها «آن» إثر حادث سير، فهي تعتبر نفسها متورطة في تلك النهاية المأساوية.

رواية ساغان المعنونة «هل تحبين برامس؟» صادرة من المدى على ثيماتها الأثيرة المعبّرة عن المستوى النفسي، وذلك من خلال 3 شخصيات أساسية، يجمع بينهم تراوح مَصائرهم بين عدة احتمالات والشك من حقيقة مشاعر المُقابل. ولعلّ الأزمة التي تعانيها «بول» أكثر تعبيراً من الأبعاد الوجودية، فهي بلغت عتبة الأربعين ولا تريد الانسياق وراء عواطف غامضة. لذلك تتحمّل مناورات عشيقها «روجي» خوفاً من الوحدة والمجهول. في المشهد الإفتتاحي من الرواية، تتأمل «بول» صورتها في المرآة مستعيدة خيباتها، مُتحسّسة خطَ الزمن على وجهها، بالإضافة إلى كلّ ما تمرّ به هذه الشخصية من توتر. وعندما يستبطن الراوي سرائر بول، يتبيّن ما يُضاعف من حدة قلقه، بالإضافة إلى عشيقها أيضاً الذي يتغلغلُ في أعماق شخصية سيمون مع أنّ سقفاً واحداً قد جمعه بـ(بول) لمدة. لكنّ الأخيرة اقتنعت بأنّه لا يمكن تخفيف وحشة الوحدة بعيداً عن «روجي» إلّا بوجود شخص آخر. كان يَحكم علاقة بول بـ»روجي» اتفاق ضمني: يتمتعُ كل واحد منهما بالحرية. لكنّ بول قد سئمت من هذا الوضع من دون أن تُصارح شريكها بذلك. في المقابل، إنّ العبارات التي تَرد على لسان «روجي» تُعلن شعوره بالعبث وتبرّمه من التكرار، فبول تكتشف ذلك بحسّها الأُنثوي. عندما يسألها كم مرة بَدرت منه حركة لتشغيل المذياع وهو في طريقه إليها، فما كان منها إلّا أن قالت: «هل تبدو الأمور مكررة؟». يُراوغ روجي بكلامه أحياناً «أشعر بنفسي المُكررة». وهذا ما يومىء إلى أنّ العاطفة قد شاخَت نتيجة الملل من دورة الحياة الرتيبة.

البديل
مع أنّ فرانسواز ساغان كانت مولعة بالحياة وأرادت التمتعَ بلحظاتها إلى أقصى حد، إلّا أنَّ حزناً شفيفاً يطبعُ مناخ روايتها ولا تكتمل السعادة. بعد أن يقضي الاثنان أوقاتاً مع بعض في التنزّه والرقص، يتسرّب الحزن إلى الأجواء عندما يحين موعد مُغادرة روجي، ويحلّ الشكُ مكانَ السعادة لدى بول التي تتبدّى الشجون على وجهها. يتكفلُ الراوي هنا بالإبانة عن موقفِ روجي وفهمه لِما لمّحت إليه عشيقته ورغبتها بألّا يتركها ويمارس معها الحب. لكن يُفضّل روجي، الذي يمتلك شركة للنقل، التمتع بحريتهِ، ولا يعجبه التقيّد. تُمرّر مؤلفة «جروح الروح» أسئلة مضمرة بشأن العلاقة بين الحرية والرغبة، كما يهمّها إظهار تجربة بول مع الوحدة وتوقها لمعرفة ما يعني الشغف واحتياج الآخر إليها. تنجح ساغان في وصف حياة تبدو هادئة في الظاهر لكنها في الحقيقة مليئة بالأسئلة الضاجّة والقلقة في العمق. فعلت ذلك من خلال رَصد العنصر المكاني ومحتوياته التي تنعكس عليها دواخل الشخصية المُقبلة على اختبار عاطفي جديد، مع سيمون، وهو أصغر منها بـ14 سنة. العملُ يكون الحلقة الواصلة بين الطرفين. تقومُ بول بتزويق المحلات والمنازل، فتخبر عشيقها بأنّ هناك زبونة ثرية «فان دان بيش» في شارع «كليير»، تتوقعُ الإستفادة منها مالياً. في شقّة السيدة الأميركية، تصادف وجود «سيمون» الذي يغرمُ بـ»بول» ويصبح رفيق وحدتها وبديلاً لروجي. يحاول الأخير الهروب من ملله بإقامة علاقة عاطفية مع «ميسي».

الوهم
ينضمّ سيمون إلى منظومة السرد الروائي ولا تتوقف معرفته بـ»بول» عند المستوى السطحي، إنما ينجرفُ إليها عاطفياً. يأتي هذا التطور مُتزامناً مع تلاشي حضور روجي في حياة عشيقته. وهذا ما يُضيّق المسافة أكثر بين سميون وبول، علماً بأنّ ما يشغل الأخيرة ويُصعد من توترها هو الفارق في السن بينها وبين سيمون. والغريب في هذا الإطار هو إثارة غيرة روجي على بول عندما يعرفُ بوجود شخصية ثانية في حياة بول، فبدوره يتفاجأ المحامي الشاب، الذي يتّصفُ بالمرح والدعابة، بروجي حين يراه برفقة بول في شارع «سان جيرمان». تتوالى اللقاءات بين بول وسميون إلى أنْ تتّخذ علاقتهما منحى عاطفياً ساخناً، فيقع روجي خارج المشهد. لكن غياب العشيق السابق جسدياً لا يعني تواري صورته في ذهن بول، فهي تعترف لسيمون عندما ترافقه بأنّه لولا ابتعاد روجي لَما تقرّبت منه. يغمرُ سيمون رفيقته بالرومانسية حيث يكتبُ لها رسالة سائلاً إيّاها «هل تحبّين برامس؟» ومن ثم يدعوها إلى حفلة موسيقية. ينقل الراوي ما يأتي إلى خيال بول عندما تقرأ عبارة «هل تحبّين برامس»، حيث تَنداح ذكرياتها مُسترجعةً اللحظة التى سمعت فيها تلك العبارة للمرة الأولى وهي في الـ17 من عمرها. وبينما يشارك سيمون رفيقته في تذوّق روعة الموسيقى، يتذكر رؤيته لروجي برفقة شابّة في أحد الفنادق القريبة من «أودان»، من دون أن يُخبرَ بول بهذا السر ولا يفتح هذا الموضوع حتى عندما تستعجلُ بول العودة إلى شقتها مترقّبة روجي الذي قضى عطلته برفقة عشيقته الجديدة.

ويُعقّب على هذا الموقف بسؤال «تحبّين روجي لكنك وحيدة، وحيدة يوم الأحد»، هكذا تتناوب آلة السرد بين مُراقبة ما يدور بين سيمون وبول من جانب وما تصل إليه علاقة الأخيرة مع روجي من جانب آخر. هو كان يستمع إلى موسيقى برامس عبر المذياع بصحبة «ميسي» التي تبوح بأنّ اسمها الحقيقي «مارسيل». يتابع المتلقّي في مفصل آخر من الرواية تحولاتٍ تمرّ بها شخصية سيمون، إذ لم يعد مُهملاً بل أصبح مهتمّاً بعمله طلباً لثقة بول. هو يكنّ لها مشاعر الحب والشفقة والإعجاب، ويُساكنها آملاً بأن يقصي بذلك شبح روجي. لكن لا يحول وجود سيمون في حياتها بقوة من اللقاء بروجي الذي تسللَ السأمُ إلى علاقتهِ مع مارسيل، وبدأ يَشكُ في حبها. يمضي الراوي في رصدِ حياة سيمون بجوار بول، التي كانت حافلة بالنزهات والرحلات. وما انفك سيمون يؤكد على أنّه مؤهّل للحب وجدير بالثقة، ويطلب الزواج من بول. وعندما يتحوّل السرد نحو روجي، تراه ضجراً من الوحدة، لا يفهم التناقض الذي كان قائماً في علاقته مع بول، لماذا كلما غادرها كان يشعر بالنجاح في الهروب وما الذي يشدّه إليها الآن؟ أخيراً تتحقق نبوءة سيمون عندما يصادف حضور الثلاثة في حفلة موسيقية، يتبادلُ روجي النظر مع بول ويتمّ احتكاك بين كتفيهما في مشهد يذكّرك بلقطات سينمائية معبرة، ومن ثم يراقصها على مرأى العشيق الشاب. هذا يعني أنّ الحب يدبّ في القلب من جديد. ويعقبُ ذلك اللقاء بين بول وروجي والكلام المُتبادل، الذي يوحي بشدة الشوق والإدراك وبأنّ الفراق لا يمكن أن يستمر. وما يكون المشهد الأخير إلّا عبارة عن مُغادرة سيمون لشقة المرأة التي وقع في وهم حبها، وتنبّأ مسبقاً بأنّ موقفه أكثر هشاشة في علاقة ثلاثية الأطراف.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.