الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
الأربعاء 24 تموز 2019
رؤية راينر ماريا ريلكه للأدب والحياة في رسائله
print
favorite
الرسائل التي خطّها المشاهيرُ تضمُّ مُعطياتٍ قد تكملُ جوانبَ من مشروعهم الإبداعي وتكشفُ طقوسَهم في الكتابة ورؤيتَهم لما يجبُ أن يتصفُ به المبدعُ في حياته ومساره الفكري ومواقفه الإنسانية، كما أنَّ هذا النوع من الكتابة يتميّزُ بالعفوية في التعبير بعيداً من الإلتفافات البلاغية.

لا تحيدُ الرسائل المكتوبة بنَفَس عاطفي أيضاً من البساطة في صياغتها. ومن المعروف أنَّ ثمة أغراضاً مُختلفة من تحبير الرسائل. قبل أن تداهم الوسائل الكتنولوجية الحديثة حياة الإنسان كانت الرسائل المُتبادلة بين الأصدقاء والعُشاق مطبوعةً بالوجد والشوق تعكسُ مستوى عالياً من الحميمية والصدق في العاطفة، وإذا إنصرف الكلام إلى ما سطّرهُ الأُدباء والمبدعون في الرسائل تجدُهم في أطوار مُتباينة، ويكون الميل إلى الذاتية والبوح عن الهواجس أكثر وضوحاً، فالبتالي تتعمّقُ المعرفة بحياة أولئك المبدعين من خلال مُتابعة محتويات رسائلهم التي توفّرُ معلوماتٍ قد لا تكونُ مذكورةً في السيرة الذاتية ولا تُعوّضُ عنها النصوص الإبداعية.

لذا لايمكنُ التغافلُ عن أهمية مادة الرسائل، خصوصاً عندما تنقلُ خبرة وتجربة الأدباء العظام كما ترى ذلك في الرسائل التي كتبها الشاعر الألماني الكبير راينير ماريا ريلكه لشاعر شاب يدعى كابوس، حيث صدرت نسختها العربية أخيراً من دار الرافدين. 

مفهوم الإبداع والجمال
يتناولُ ريلكه في الرسائل العشر مفهوم الإبداع والجمال وتحدّيات الكتابة والمهنة وما تتطلّبه الحياةُ من الصبر الجميل وما تعنيه العزلة بالنسبة للشاعر الذي لا ينفعه ضجيجُ أفكار فارغة. ينصحُ ريلكه الشاعر الشابَ مؤكّداً على ضرورة العزلة في حال الحزن، لأنَّ نسبة دنوّ المُستقبل من حياتنا قريبة جداً في تلك اللحظات، ولا يصحُّ تضييع هذه الفرصة بالهروب من الوحدة التي قد تبدو متوترة.

إختبار
تنمُّ الرسالة الأولى عن فحوى ما يطالبهُ كابوس من الشاعر الكبير من التوضحيات بشأن الإبداع مُستوجباً رأيه عن إحدى قصائده، فما كان من ريلكه إلّا أن يطلبَ منهُ بأن لا يبحثَ عن حجّة تُقنعه بجدارة نصه وأحقيته بصفة المبدع خارج ذاته، إذ يقترحُ عليه القيام بإختبار حاسم وهو البحث عن الأسباب التي ترغمه على الكتابة، فإذا أدرك بأنَّ تحمّل الحياة أمر وارد دون الكتابة ويمكنه العيش وهو محروم من ممارسة هذه الرغبة، فمن الأفضل عدم المواصلة في هذا المجال، لأنَّ بنظر ريلكه من الخطأ بناء الحياة على خيار الكتابة إذا لم تُقابلْ هذا السؤال «هل يجب أن أكتب؟» في أكثر أوقات الليل الهاجعة بـ»نعم يجبُ أنْ أكتب». 

أكثر من ذلك، فإنَّ صاحب «سونيتات إلى أورفيوس» يرى في كلّ ما هو موجود وما يمرُّ به المبدعُ من حالات الذل واللامبالاة إشاراتٍ ملهمة للكتابة، كما يلفت الإنتباه إلى ضرورة الإقتراب من الطبيعة. والأهمّ في هذا السياق هو رأي ريلكه حول ضرورة التَعَهّد بالتطوّر والنموّ الداخلي، وأنَّ ما يهدّدُ هذه العملية ليس إلّا تطلّعات المرء للخارج بحثاً عن الإجابات.

ويشيرُ الشاعرُ في قسم آخر من رسائله إلى المبدعين الذين أضافوا إلى حياته واستفاد من مؤلفاتهم ويعترفُ بأنَّه لا يفارقه الكتاب المُقَدَس وكتب الشاعر الدانماركي بيتر جيكبسون، موضحاً أنَّ الأخير منحه خبرة عظيمة بعمق الخلود والإبداع إلى جانب تأثّره الشديد برودين، النحات الفرنسي الذي يصفه ريلكه بأن ليس له نظير من بين معاصريه. وتردُ عناوين أخرى في مضامين الرسائل يوصي ريلكه صديقه بقراءتها مُطالباً إياه بمتابعة ما ينشرُ من الكتب النقدية، مع أنَّ ما يقوله الشاعر عن النقد يوحي بالإستخفاف للإشتغالات النقدية، وبرأيه أن الحب وحده يمكنهُ ملامسة الأعمال الفنية والإمساك بها، ومن ثُمَّ يقارن بين الفن والجنس وما يجمع الإثنين على مستوى أعمق رغم ما يتبدّى إختلافاً ظاهرياً بينهما.

فلسفة الحياة
لا يدورُ موضوع الرسائل حول الفن والإبداع فحسب، وإنما يُضمّنُ الشاعرُ فلسفته للحياة بين السطور، ومن المعروف عن المبدعين نظرتهم الُمتبصّرة للواقع وصياغة فلسفة خاصة بناءً على ما تراكم من التجارب والمعرفة. وفي ذلك قد تتقاطعُ توجّهات الفلاسفة والشعراء في بعض التفصيلات، مثلما نلاحظُ هذا الأمر فيما يقولهُ ريلكه عن فضيلة الزهد «لأنَّ المُلكية فقر وخوف، فأن تملك شيئاً ثم يختفي يعني أن تملك الهمَّ»، ومن الواضح أنّ منطوق هذه الجملة مطابق مع المبدأ الذي تمسّكَ به سُقراط في حياتهِ، إذ رفض فيلسوف أثينا البهرجة والشكليات مبدياً تعجّبه من وفرة الأشياء التي لانحتاج إليها.

فضلاً عن ذلك، فإنَّ ريلكه لا يختلفُ عن الأبيقوريين في تأكيده على دور الأفكار في تشكيل إنطباعنا حولَ الظواهر، ويذكرُ مثلاً ممّا ورد في الأساطير عن تحوّل التنانين المُخيفة إلى أميرات بلمح البصر، مُستنتجاً من هذا الموقف فرضيةً بأنّ كلّ التنانين في حياتنا ربما أميرات ينتظرن رؤيتنا نتصرّف بشجاعة وجمال.يقفُ ريلكه ضد الإستعجال في إصدار الأحكام على الظواهر، ولايعجبه وصف أشياء لا تشبه مفهومنا للجمال بالبشاعة، ولا تأتي هذه الأحكام حسب رأي ريلكه إلّا نتيجة غياب الإدراك لترابط قائم بين ظواهر الحياة. مع أنَّ الجانبَ الوجداني يسبقُ الإدراك العقلي لدى الشعراء والقلوب تفوقُ عليهم كما يصرّح ريلكه بهذه الحقيقة، لكن قناعة ريلكه بأنَّ الحياة على حق دائماً ويجبُ أن ندعها تستمرّ تضعهُ في صف الفلاسفة العقلانيين أمثال هيغل، الذي اعتبر كل ما هو واقعي عقلانياً بالضرورة، إذن فإنَّ تفاؤلَ ريلكه مُستَمَدٌ من مبادئ عقلانية. 

الحب مهمة صعبة
فهو يؤمنُ بطاقات الإنسان اللامحدودة، وحين يديرُ دفّة الحديث نحو الشعور والإدراك يبيّنُ ما يتمتّعُ به البشرُ من فرص الشعور بالوجود بطرق لا تُحصى ولا تُعدّ. تصلُ ثقافة ريلكه بالحياة لدرجة يعتقدُ بأنَّ الأُمنيات هي الذكريات القادمة من مُستقبلنا، ما يعني أنَّ الحياةَ لا تضيقُ بما يتطلّعُ إليه الإنسانُ. يفتحُ قوس رسائل ريلكه على الحب والموت. والمشتركُ بين الحالتين هو الغموض وإستحالة النفاذ إلى سرهما المُغلّف.

زدْ على ذلك يرى الشاعر الألماني الحب مهمة صعبة بحيثُ إنّ كلّ المهام الأخرى مُقارنةً بها مجرّد إستعداد، كما لا تنفصل في فلسفة ريلكه المتعُ الجسدية بوصفها تجربة حسّية عن المعرفة، وهي لاتختلفُ عن المناظر الطبيعية الخلاقة. وما يشدُّ إهتمام القارئ في هذه الرسائل هو إيمان الشاعر بضرورة التحلّي بالصبر الجميل ولاشيءَ أكثر جدارة بالتقدير من هذه الصفة. هذا إضافة إلى شغفه بالحياة ورغبته الشديدة لتدوين كل معطيات الوجود من البداية إلى النهاية.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.