الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 16 تموز 2019
«إنّها لندن يا عزيزي».. إختصارٌ لمعنى «غربة»
print
favorite
بإتقانٍ حاذق، ومونولوجٍ متحرّكٍ للأصوات، تخوضُ الكاتبة حنان الشيخ التي تعيش في لندن، غمارَ الفنّ الروائي التفصيلي المتغلغل في ثنايا المتاع الروحي والذهني والسيوكولوجي لأبطال روايتها، التي وضعت لها عنواناً يجذبُ المتلقّي حدَّ الإنبهارِ التلقائي، وهو :»إنّها لندن يا عزيزي».

أبطالُ الرواية متفاوتون في أعمارهم وجنسياتهم ولهجتم وانتماءاتهم وظروفهم. جميعهم من الجنسية العربية، باستثناء نيقولاس، الشاب الإنجليزي الذي عملَ طويلاً في الخليج واختلط بالعرب، وحفر في مخيّلته صورَ أساطير مبهرة للتاريخ العربي القديم.

الوصول إلى لندن
تبدأ الرواية بذبذباتٍ تصدرُها الطائرةُ المتوجّهة من دبي إلى لندن، تحملُ وجوهاً مذعورةً من الضغط الجوي الذي راح يرنّحها يميناً وشمالاً. أميرة، المرأة المغربية التي تعتنق مهنة الدعارة في لندن، تصرخُ في ذعرٍ خوفاً من الموت، ويقوم سمير، الشاب اللبناني المزدوج الأهواء الجنسية، والذي يخبّئُ قرداً بين ثنايا معطفه، بتهدئتها مع نيقولاس الشاب الإنجليزي. ولميس المرأة العراقية المطلّقة التي تعودُ أدراجها إلى لندن، حيث يقيم طليقها وأمه المستبدّة مع طفلهما، بعد أن أوهمت نفسها بأنّها سوف تنتقل للعيش في دبي، وخابت مساعيها بعد أن أوقفتها السلطات لمدّة شهرٍ كامل، لحيازتها أزهاراً على شكل قبلة، معتبرةً أنّها تحرِّضُ على الجنس.
يتفرّقُ الجميع بعد هبوط الطائرة بسلام في مدرج لندن، وقد تبادلوا أرقام الهواتف، وينتهي بهم المطاف بأن يقيم سمير مع قرده عند أميرة، التي تعيش من بيع جسدها برفقة صديقتها ناهد، الفتاة المصرية، التي تموتُ فيما بعد بمرض السرطان.

الكبتُ الجنسي
يتّضحُ من سياق الرواية بأنّ لسمير أهواءَ جنسية غير سويّة، فهو يميل إلى أبناء جنسه من الرجال، رغم أنّه متزوجٌ وأبٌ لخمسة أطفال. وتعودُ بنا الشيخ إلى عالمه الطفولي الشاحب، المتّشح بالكبت الجنسي، حيث كان يرقص بثوب شقيقته على السطح، وعشق مدرّسَه لدرجة أنّه أصيب بنوبة هستيرية عند زواج الأخير، وقادوه إلى العصفورية. وقد أحضر القرد معه بناءً على طلبٍ من شخصٍ تعرّف اليه وطلب منه أن يذهب به إلى أمّه المريضة في المستشفى في لندن، لقاء مبلغٍ مادي كبير، فيهرّبه بطريقةٍ ما، وهو فرضيةٌ خياليّة كبيرة جاوزت الكاتبة بها حدود الواقع، لأنّ لندن بلدٌ تتّسمُ بالدقة والحرص، إلّا إذا كانت دلالة القرد في رواية الشيخ مهمّة لديها، حتى تزجَّه في ثناياها. ويكتشف سمير بأنّ القرد قد دُسَّت له جواهر في معدته، وقد تركوه بعد أن أفرغوها وسلبوها.

أميرة وهمية
أمّا أميرة المومس المغربية التي تضحّي بجسدها في سبيل التخلّص من التشنّج القائم من جرّاء ظروفها في المغرب، فقد تحوّلت إلى محتالة من الدرجة الأولى، بعد أن تعرّفت إلى أميرة سعودية، يحيطها الجميع بالتبجيل والإحترام بسبب مركزها المرموق، فتقرّر أن تمثّل دور الأميرة، فتتدرّب على الدور حتى تتقمّص الشخصية بإتقان، فتسرق من البنوك بإسم عائلتها الوهمية الكبيرة في السعودية، وتتطفل على الأمراء العرب الذين يزورون لندن من أجل دعم موقفها كأميرة لم تصلها الحوالة المادية من بلدها عبر السفارة بعد، وفي هذا بعض التجاوز من قبل الكاتبة، لأنّ المعروف عن الإنجليز شدّة الحرص في التعاملات المادّية التي تُعتبر مقدّسة لديهم، وقد جعلت مدير البنك ينحني للأميرة المزعومة دون التأكّد من الوثائق والأوراق الشخصية، وهو أمرٌ لا يحدث قط في مدينة مثل لندن.

صدفة عجيبة
بالنسبة للميس، المرأة العراقية التي تعود لماضيها الذي حاولت الهروب منه، فهي تقع في غرام نيقولاس، بعد أن تلتقيه صدفة في دار السينما، وهي صدفةٌ عجيبة في مدينةٍ كبيرة مثل لندن، كان يمكن للكاتبة تفاديها، خصوصاً أنّها ذكرت في بداية الرواية بأنّهم تبادلوا أرقام الهواتف جميعاً.
ذكريات لميس، وتردّدها، وانحدارها لليأس والتوجّس من ماضيها، تدفع بنيقولاس لتركها بصمتٍ قاتل، فتبحث عنه في كلّ مكانٍ دون جدوى، ولكنّه يعود في نهاية الرواية من خلال رسالةٍ يبعثُ بها إليها من عمان، مبرِّراً ما ارتكبه من إثم الفراق بطريقة رفضها الإستقرار معه والارتباط به.

«إنّها لندن يا عزيزي».. إختصارٌ لمعنى «غربة»
رغم المطبّات النوستالجية التي تدورُ في بيئة الأبطال، حيث يعيش كلٌّ منهم متنّقلاً بين ماضيه وحاضره، فقد نجحت الكاتبة حنان الشيخ ببناء صرحٍ لهيكل الغربة الحقيقية، وتسليحه بمجهرٍ للصوت ومكبّرٍ للصورة، حتى تبيّن لنا آثار الكهولةِ النفسيّة الملحّة التي تدهمُ المرءَ بعيداً عن جذوره، مهما كانت سعادته في انتقاله إلى بلدٍ جديد آمن، فكان سمير رمزاً لضحيّة من ضحايا الحرب والكبت الجنسي في مجتمعٍ مغلقٍ تأسره شهوةُ السخرية والإعتداد بالجنس والمال، وكانت أميرة دلالةً على الإكتواء بنار الفقر المدقع، والعنف الممارَس من قبل الذكور، والذي دفع بها وبغيرها إلى الإنحلال والفجور والإحتيال. أمّا لميس فكانت مثالاً للمرأة التي تسير مغمّضة العينين إلى دار رجلٍ غريب ليصرف عليها أمواله بصفته زوجها، ويعبث بجسدها دون رحمةٍ أو تحسّبٍ لمشاعرها المرهفة.
ونيقولاس كان نموذجاً بارداً للغرب بكلّ تفهّمه العميق للمشاعر الإنسانية والنسائية، وهروبه من التردّد والتساؤل، وتقديسه للحب دون الخوض في تفاصيل الأحاسيس التي تتوارى وراء نبض القلوب.
حنان الشيخ حاكت وأجادت على مغزلِ الغربةِ الصمّاء العمياء بكلّ تفاصيلها، في روايةٍ جمعت كلّ التناقضات البشرية القائمة في مجتمعات الشرق والغرب معاً.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.