الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
الاثنين 08 تموز 2019
السرد الإستقصائي في رواية "جنود سالامينا"
print
favorite
إنّ مستوى التداخل بين الرواية والصحافة يشملُ عدة جوانب، ولا مُغالاة في القول انّ كل صحافي يتّصفُ بما يؤهله لأن يكون روائياً، كما أنّ الكاتب الروائي بدوره يُدرك ضرورة متابعة الصحافة وما تتوارد في حيثياتها من الأخبار والمواضيع التي قد تصبح مصدر إلهام بالنسبة إليه. هذا إضافة إلى وجود التشابك بين آليّات السرد الروائي وأساليب توثيق المعلومة واستقصاء التفاصيل الدقيقة في الصحافة.

من المعروف أنّ الإعتماد على الوسائط المتعدّدة هو من المكوّنات الأساسية في بناء التقرير الصحافي، ولقد سلكَ عدد من الروائيين هذا المنحى المُتشعّب في سبك المادة المروية. طبعاً، ثمة اختلاف بين تقنية تعددية الأصوات وما يختاره الروائي من السرد الإستقصائي، ففي الحالة الأخيرة تخدمُ المُعطيات كلّها بما فيها أصوات الشخصيات المذكورة في الرواية الحبكة، بينما الأمرُ يختلفُ في الرواية البوليفونية القائمة على وجود شخصيات مُستقلة، ولا يكونُ دورها مكملاً في مشروع البحث المُفصّل عن الأسرار مثلما تجدُ هذه الخاصيّة في الروايات المكتوبة بحس الصحافي، حيثُ يتميزُ الروائي الإسباني خافير سيركاس في توظيف تقنيات الصحافة الإستقصائية لبناء روايته «جنود سالامينا».

يخالفُ المؤلف ما يتصدّر به الروائيون أعمالهم بكلام ينفي صلة بين حقائق الواقع وأحداث الرواية وشخصياتها، إذ يشيرُ خافيير سيركاس إلى أنّ الشخصيات ذكرت بأسمائها الأصلية في روايته، وهذا ما حدا به أن لا يتوارى وراء راوٍ مُصطنع، فالبتالي طابَ له الحضور بإسمه الحقيقي مع إدراك الفارق بين ما عليه شخصيته في الواقع والدور الذي يقوم به سيركاس في حيّز السرد الروائي.

ذكريات
يفتتحُ السارد المُتكلّم بضمير الأول الرواية باستعادة ذكرياته الشخصية، لافتاً إلى ما مَرّت به حياته قبل معرفة قصّة إعدام رافايل شانسيز مازاس، حيث قد توفي والده كما أنّ زوجته هجرَتهُ إضافة إلى تخلّيه عن مهنة الكتابة الصحافية وانكبابه على كتابة الرواية. غير أنّ هذا القرار لم ينفعهُ، واتّضح له واقعهُ البائس بعدما لاقت رواياته إهمالاً، ما أدّى به نحو حال التأزّم على المستوى الروحي والمهني.

والحال هذه لم يعدْ له اختيار غير العودة إلى عمله الصحافي والقناعة براتب زهيد، وبذلك تخلّى عن حلمه بأن يكون روائياً. أكثر من هذا نُعِت بالخائن لأنّه آثَر صنعة الرواية على حرفة الصحافة. لكن عودة السارد إلى عمله السابق وتحريره لصفحة الثقافة، يمكنُ وصفه بانطلاقة جديدة في كتابة العمل الروائي، إذ انّ ما توفّره له الصحافة من فرصة اللقاء بفرلوزيو، وهو إبن شانز مازاس الذي حُكم عليه بالإعدام إبّان الحرب الأهلية الإسبانية، يجدّدُ الأمل لدى سيركاس لتحقيق مشروع عمره.

ما سَردهُ الإبن عن والده وعن اختبائه في الغابة والمُقاتل اليساري الذي يكشفُ موقع شانز مازاس من دون أن يقضي عليه، كلّ ذلك يزيد الموضوع تشويقاً إلى أن يبدأ الصحافي عملية التنقيب حول تلك الشخصية المثيرة للجدل والمُتعددة الأبعاد، فكان رافايل شانز مازاس شاعراً وكاتباً روائياً ومنظّراً للكتائب الإسبانية، وهي وجه آخر للفاشية الإيطالية التي قرأ مازاس أدبياتها وتشرّب أفكارها عندما عملَ مراسلاً صحافياً في روما.

سيولة الروايات
المقالة التي ينشرها سيركاس بمناسبة مرور الذكرى الستين على نهاية الحرب الأهلية الإسبانية 1939، تفتحُ له ممرّات نحو مكامن هذا التاريخ حيثُ يلتقي بأحد المُعلِّقين على المقال وهو ميكيل أغيري، الذي كان مؤرّخاً مطّلعاً على المرحلة التي وقعت فيها الحرب، وما دار في منطقة بانيولس ويسمع من المؤرخ أنّ رجلاً آخر قد حالفه الحظ ونجا من الإعدام يدعى خسيوس باسكوال الذي دونَّ تفاصيل الحدث في كتاب بعنوان «قتلني الشيوعيون».

تستمر متابعة الراوي بعد قراءة ما دوّنه باسكوال، حيث تردُ في كتابه جملة تتكرر في الصفحات الأخرى: «في اللحظة الأخيرة دائماً يكون إنقاذ الحضارة على يد فصيلة من الجنود»، إلى أن يقرأ شهادة ترابييو، ويلفتُ نظره التطابق بينها وبين ما ذكره في مقاله. إلى جانب ذلك ينبشُ في سجل أسماء السجناء في عهد فرانكو، والأهم في هذه السيولة من المعلومات هو الأغنية الشعبية الباسادوبلي (تنهدات إسبانيا) التي يصدح بها غجريّان في المكان الذي ينتظر فيه ابنُ أحد أصدقاء الغابة خومي فيغيراس. وهم كانوا أفراداً فارّين من صفوف المحاربين وسكنوا في مزرعة كاسانوفا.

يُذكر أنّ الإشارة تتوارد إلى الباسادويلي في المقاطع اللاحقة، بل هي بمثابة موتيف أساسي للنصّ، ما يلملمهُ سيركاس عن المُنظّر الفاشي وتأكّده من صحة يومياته التي يأخذها من خومي تراوده فكرة كتابة الرواية من جديد، ويخبرُ عشيقته كونشي بذلك الأمر، لكنَّ الأخير لا تعجبه إلا الشخصيات المناوئة لفرانكو. إذاً، فإنَّ الثغرة الوحيدة في مشروع سيركاس هي البطل الذي تنتظمُ بوجوده حلقات الرواية. ولن يكون هذا البطل سوى الجندي الذي لم يُطلق النار على مؤسس فكرة الفاشية في إسبانيا.

المنسي
يضم القسم الثاني من الرواية ما عاشَهُ شانسز مازاس بعدما تُكتب له الحياة من جديد، إضافة إلى استعادة قصة هروبه من مدريد ومن ثمّ اعتقاله في جيرونا. وفي القسم الأخير تبدأ رحلة سيركاس عن الشخص الذي كان في قلب الحدث، بل يُعقّدُ عليه حلقات الرواية ولا يفلحُ الراوي في الوصول إلى ما يبحثُ عنه إلّا عن طريق عمله، إذ يُكلَّف بإجراء سلسلة من الحوارات مع شخصيات مرموقة، وكان روبيرتو بولانيو من الأوائل الذين يُقابلهم حيث يمضي أيامَهُ في قرية واقعة بين جيرونا وبرشلونة. يمرّر الراوي نتفاً من سيرة بولانيو وما يتذكرهُ عن انقلاب بينوشيه ومُعاناته مع المرض والحرمان وتجربة السجن القاسية.

يتفاجَأ الصحافي بمعرفة بولانيو لاهتماماته الروائية وإعجابه لِما نشره بعنوان «المستأجر»، هنا ينفتحُ قوس الحوار على مكوّنات الرواية ودور المُخيلة والذاكرة في بناء العمل الروائي. كما يُفصّلُ الكاتبُ التشيلي في الحديث حول مفهوم البطل إلى أن يخبرَ مُحاوره بقصة ميرايس ومُصاحبته لمُنضوين في مخيّم «نجمة البحر». وعليه، فإنّ الراوي ينقلُ على لسان بولانيو تجارب ميرايس مع الحرب الأهلية وانضمامه إلى وحدة من الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، وافتتانه بلوز التي كانت مومساً، إذ رآهما بولانيو يتراقصان وكان المُحارب يغني باسادوبلي، الأمر الذي يدفَع سيركاس لربط ما جمعه عن الحرب الأهلية الإسبانية متخيّلاً أنّ ميرايس هو من نظر إلى عيني شانسز مازاس ولم يقتله. هنا لا يخيبُ السرد وتوالي الأحداث أفق توقع القارىء، بعدما يقابلُ الصحافي المحاربَ الذي يذكّرك مرحه بزوربا اليوناني في مأوى نيمفيا في فونتين.

تنحلّ عقدة غياب البطل التي تحرّكُ آلة السرد، ولم يكن ذلك المقاتل الذي يغنّي باسادولي سوى ميرايس. يشار إلى أنّ من بين الروائيين العرب ثمة من حاول حياكة مادته السردية على غرار خافيير سيركاس، ولعل الكاتب والروائي العراقي علي بدر من أبرزهم.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.