الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
الاثنين 10 حزيران 2019
إلتباس النوع في "جروح الروح" لفرانسواز ساغان
print
favorite
وقفت فرانسواز ساغان ضد دعاة الرواية الجديدة الذين رمت محاولاتهم إلى تقويضِ أعراف ثابتة في الكتابة والخروج من الأطر التقليدية، إذ تشيدُ صاحبة «بعد شهر بعد سنة» بروّاد الرواية الكلاسكية وتستخفُّ بكتّاب الرواية الحديثة لأنهم يلعبون برصاصات فارغة تاركين للقرّاء رسم شخصياتهم الشاحبة.

مؤدّى هذا الرأي هو رفض تشظّي الحبكة وهلامية الشخصيات، والمُستغربُ أن تدسّ ساغان هذه الآراء النقدية ضمن عملها المعنوَن «جروح الروح»، وتَشيرُ إلى ما أثارته أعمالها الروائية والمسرحية لدى الجمهور. عدا ذلك تريدُ ساغان أن تضعَ المتلقّي في تفاصيل محترفها الروائي والحلول التي تفكّرُ فيها لأزمة شخصياتها، هذا إضافة إلى بوحها لما عاشتهُ من بعض ظروف حالت دون إكمال مشروع الرواية خلال وقت مُحدّد، ومن ثُمّ تستعيدُ جانباً من ذكرياتها المشوبة بالحزن والطيش لافتةً إلى ما تخلّلته مسيرة حياتها من المزدوجات وبعض نقاط التَعَجُب والشغف.

ولا تتستّرُ الكاتبةُ وراء أسماء مُستعارة كما لا تعبّرُ عن رؤيتها على لسان شخصيات الرواية، بل تذكرُ ما إرتبط باسم فرانسواز ساغان لدى الجمهور ولاتنكرُ فوائد الصورة التي كوّنها الناس عن شخصيّتها، فهي قضت ما يناهز ثماني عشرة سنة متخفّية في سيارات الفيراري وزجاجات الويسكي والإشاعات والزيجات والطلاق على حدّ قولها.

وتعودُ فراسواز ساغان إلى لحظة مفصلية في حياتها عندما إنطلقت نحو النجومية في عالم الأدب إثر صدرو باكورتها الروائية في 1954 حيث وجدت نفسها أمام خيارين، إما أن تصبحَ فتاة فضحائية أو كاتبة بورجوازية غير أنها تسلك طريقاً عنوانه المرح والتهتّك والكتابة والمُغامرة. تستمرّ ساغان على هذا المنوال في الكتابة الملتبسة.

لعبة الضمائر
من الواضح أنّ ساغان تخرجُ من إطار الراوي المُصطنع مُعلنةً هويّتها لتسردَ الأحداث وتسبتطنَ سرائر شخصياتها، إذ تستهلُ المقطعَ الأول من الرواية بطرح إفتراض حول الشكل الذي تتّخذهُ شخصية سباستيان وأخته أليونور عندما يتمُ إستعادتهما في إطار عمل روائي وتومئُ الكاتبة إلى انتماء الشخصيتين لزمن قد مضى، حيث ألّفت مسرحية تدور أحداثها حول حياة شقيقين (أخ وأخته) في سنة 1960 وتقومُ بتوظيف الإثنين من جديد في روايتها الصادرة سنة 1971 ملمّحةً إلى ما شهدته مدينة باريس بين التاريخين من التحوّلات والتطورات على المستويين السياسي والمُجتمعي، مُتسائلة عن سبب لما تراه من الرداءة على ملامح المدينة، هل هذه الحالة هي نتيجة لأحداث سنة 1968 أو أنّ التقدم في العمر عامل لتغيّر الإحساس بأجواء باريس؟ طبعاً ترفض فرانسواز ساغان الإحتمال الأخير لأنها لا تزال في منتصف عقدها الثالث.

أكثر من ذلك فإنَّ فرانسواز تكشفُ وضع بطليها العائدين من اسكاندينافيا، فكان الأخُ في ضيافة أحد أزواج ألينور هناك، من ثُمَ يجدُ في باريس شقة فارغة لصديقه روبير باسي حيثُ يسكنها مع أخته. وما يشغل المؤلفة هنا هو وجود شخص يعيل سباستيان وآليونور ولا ترغب بأن تدفع بشخصيتين سويديتين إلى عالم البورصة أو محلات الألبسة الجاهزة.

كما تصفُ بطلتها على المستوى الخارجي ومفاتنها الأنثوية ولكنّ المشكلة تكمن في عدم إلتفات الرجال إلى النساء جراء إنتشار الشذوذ. غير أنّ هذه الظاهرة لا تمنع شخصيّتين من الإعجاب بمناخ باريس. واللافت في أسلوب ساغان إضافةً إلى حضورها المُعلن في متن النص هو تنوّع الضمائر. تارةً يكون ضمير الشخص الأول هو أداة للسرد وينوبُ عنه تارة أخرى ضمير الغائب، وفي الحالة الأخيرة يبدو الراوي محايداً في العرض وتوجيه الشخصيات.

بيئة جديدة
المقصود بالبيئة هنا هو النص الروائي الذي يأتي لاحقاً للعمل المسرحي الذي نشرته ساغان إذ تنتقلُ شخصيات مسرحية (قصر السويد) إلى بيئة نصية جديدة. وبذلك يوجدُ تناص مواز بين العملين.

وتوردُ ساغان عنوان إصداراتها في سياق (جروح الروح) مُستدعيةً تعليقات بعض القراء عن إندماجهم مع شخصيات رواية (هل تحبين براهمز)، معبّرةً عن رأيها بأن ليس ثمة مَن تعجبه حياة سويديين لذلك لايتكرّر بالنسبة إليهما ما وقع لكائناتها الورقية السابقة. ما تفتأ ساغان تفاجئ المتلقي بتدخّلاتها المباشرة عن المدة التي إستغرقها الإنقطاع من مُتابعة كتابة الرواية وتوهمُك بإستقلالية شخصيتين بسؤال عن مصيرهما عندما توقفت عن الكتابة. عطفاً على كل ما ذكر آنفاً تمرّرُ ساغان آراءها حول خيار الكتابة والموضوعات الوجودية في مضمون هذا النص كما تتخذُ بعض مقاطع سرديّة صيغة إستفهامية موجّهة إلى المُتلقي، دون أن تشعرَ بأنها مُقتحمة أو نابية في فضاء الرواية.

يضمُ هذا النص المُلتبس شخصيات محددة تعتمدُ بنية الحدث على العلاقات القائمة بينها، إذ يمرُّ سباستيان بتجربة عاطفية مع نور جدلمان المسنّة، في المقابل إنغمست أليونور في علاقة حميمية مع ماريو الجنائيني ولاتستوعبُ نورا عندما تسمع هذا الخبر من سباستيان. ولاتتوقف مغامرةُ الشقيقة عند هذا الحدّ بل تجذبُ إهتمام برونو رافيه ويصبح عشيقها، الأمر الذي يؤلم روبير باسي لأنَّ الأخير بدوره تجمعه علاقة شاذة بذلك الممثل. يُشار إلى أنَّ فرانسواز ساغان تلجأُ إلى الإيحاء في رصدها للعلاقات الحسّية بدلاً من المُباشرية. وكان ردُ فعل روبير على هجر برونو رافيه هو قرار الإنتحار الذي يضعُ الشخصيات الثلاث الأخرى إزاء السؤال وهو مَن المسؤول عن هذه النهاية البائسة لروبير؟ وكأنَّ الكاتبة تستمعُ بهذا الموقف الذي يصفه بالجهنمي لأبطالها المتأزّمين، زد على هذا يفهمُ ممّا تقوله إنها كانت شاهدةً على حالات إنتحار بعضها جميل ونظيف وبعضها وضيع وفاشل.

ومن ثمَّ تلتفتُ إلى ماتحظى به الطقوس الجنائزية من الإهتمام لدى الفرنسيين ولا تدع الكاتبة القارئ إلّا وتباغته من الجديد بحوارها مع الشخصيات، كأنّ تلك الكائنات المُتخيّلة ليست من صنيعها. على الرغم من ميل واضح للتجريب في هذا النص فلا يخسرُ بذلك عنصر التشويق بل يكونُ الشكل وطريقة الكتابة من عناصره الأساسية. طبعاً تتصاعدُ نسبة التشويق لدى قارئ مُتابع لعالم فرانسواز ساغان القائم على حبّ المُغامرة، وعدا متابعة وقائع الرواية عليه إقتناص الإشارات المحيلة إلى روافد تكوينها المعرفي، مع أنَّ هذا العمل مدمغ بعلامة تجنسية (رواية) لكن يتعالق مع السيرة والسيناريو واليوميات والمسرحية.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.