الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 04 حزيران 2019
الرواية العالمية: مغازلة للغرب أو انتصار للإنسانية؟
print
favorite
ساد الإعتقادُ بأنَّ الأعمال الأدبية الموغلة في المحلية والمطبوعة بخصوصيات بيئتها ستكونُ فرصتها للصعود نحو منصّة العالمية أكبر. وفيما أنفتحت المجتمعات على بعضها بفعل التطورات التكنولوجية، فمن المُفترض إيجاد مجال أرحب لتداول الأعمال الأدبية. وتنتهي الكليشيهات المرسومة وفقاً لثنائية الهامش والمركز. لكن ما يُلاحظ في الواقع المُتعولم يضعُ المُتابعَ أمام سؤالٍ جوهري، هل المقصودُ من عالمية الأدبِ في هذا العصر هو سيادة لون واحد من الأدب والترويجَ للمؤلفات الروائية التي تُكمل دورة الإستهلاك لدى القارئ؟

هذا ما يناقشهُ الصحافي والأكاديمي الأميركي آدم كيرش في كتابه «الرواية العالمية- التناول الروائي للعالم في القرن الحادي والعشرين». ويحاول المؤلف رصد الأسباب وراء تصاعد مقروئية بعض الأعمال الروائية وتربّع أصحابها على عرش العالمية، حيثُ جاءت إختياراته من حضارات وبيئات مجتمعية مُتنوعة.
يشتغلُ آدم كيرش على رواية «ثلج» للكاتب التركي أورهان باموك وللياباني هاروكي موراكامي، إضافة إلى «2666» لروبرتو بولانيو، و«أمريكانا» لتشماماندا أديتشي، و»الأصولي المتوجس» لمحسن حميد، كما يُضيفُ الروائية الكندية مارغريت آتوود إلى قائمته المُختارة.

الشعبوية والرواية
تتصدّرُ هذه الدراسةُ بمقالة نشرها الكاتبُ الهندي «سيدهارت اديب» في إحدى مطبوعات أميركية، يستقصي فيها المشهدَ الروائي العالمي في ظلّ عودة الخطاب الشعبوي. إذ يشيرُ إلى رؤية آدم كيرش بشأن الرهان على الرواية بوصفها أداةً ضد رغبة الإنكفاء والتزمّت، كما يمكن فهم شغف القرّاء بفنّ الرواية بأنَّه تأكيد على راهنية قيم التسامح وقبول الإختلاف والتبادل الحرّ للأفكار. والملفتُ في ما ورد بالمقال هو إشارة «سيدهارت اديب» إلى رأي «جون أبدايك» حول رواية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، على رغم إشادته بنفحات ملحمية في الرواية، لكن يلمحُ في سياق مراجعته لرائعة منيف إلى أنّ الأخير لم يتشبّع بما يكفي بالقيَم الغربية التي تمكّنهُ من تأليف عمل روائي بمواصفات ما يسمّى بـ«رواية» في الغرب.
يفصحُ هذا الكلام عن النزعة العدوانية بنظر سيدهارت، ويعبّر عن رؤية إستعلائية لكل وافد من الأطراف إلى المركز، ومن ثُمَّ يتتبّعُ واقع ما بعد الحرب الباردة، لافتاً إلى أنّ ما قاله جون أبدايك لا يمكن أن يصدرَ من أكثر المُتشدّدين حول الروايات المُترجمة عقب اندفاع تيار العولمة، فبالتالي ساهمت التحوّلات في نشأة شكل أدبي جديد يستهوي الكتاّب الذين يترحّلون بين الثقافات المُتعددة. والأهم في ما يدرسهُ آدم كيرش هو مُناهضة الأدب وخياله النفاذ للخطاب السياسي الترامبي ومحدوديته، وإذا كانت غاية الأدبِ هي البحث عن المساحات المشتركة، فإنَّ السياسة كما يمثلها دونالد ترامب تُغَذّي الخوف من الآخر. فعلاً، الأدب، كما تقولُ الفيلسوفة «مارثا نوسباوم»، يشجّعنا على أن نشغل أنفسنا بخير أناس تبدو أنماط حياتهم مختلفة عن طريقتنا في العيش. ويعقّبُ كيرش على هذا الرأي موضحاً بأنَّ الأدباء قد وقعوا في شرك الإصطفافات الآيديولوجية إبّان مرحلة الحرب الباردة.
إذاً، فإنَّ التشابكَ قائمُ بين السياسة والأدب، وعندما يتحوّل العمل الأدبي إلى منصة دعائية يفقدُ قيمته. هل نفهمَ من ذلك أنَّ الأعمال الأدبية المقروءة على المستوى العالمي تستمدُ فرادتها من تشكيلتها الأسلوبية وموضوعاتها العميقة؟
تتباينُ الآراء بشأنِ هذا السؤال الإشكالي. ثمة كثير من النقّاد يرفضون مفهوم العالمية، وحجّة هؤلاء حسب ما يذكرها كيرش، هي استحالة مُتابعة القارئ لما يصدرُ من المؤلفات باستمرار، كما أنّ الآليات التي يتمّ بموجبها الاحتفاء بنخبة مُحدّدة من الروائيين يشوبها الغموضُ. ويطرحُ المؤلفُ سؤالاً بشأن أعمال روائية أصبحت معروفة بفضل الترجمة، هل هي أفضل وأكثر أصالة من الروايات المكتوبة بذات اللغة التي نُشرت بها تلك الأعمال المدموغة بالعالمية، أو أنّ السرّ يكمنُ في أنَّ ما يصل إلى العالمية يمثل لحسابات تجارية قائمة في السوق ويخدمُ أجندات معينة؟

مواصفات العالمية
يفردُ آدم كيرش مساحة لرؤى مختلفة حول موضوع العالمية، وذلك إدراكاً منه لتشعّب مجال اشتغاله، وما يثيره من الجدل على عدة مستويات. ومما يردُ ذكره في الكتاب، هو رأي الناقد تيم باركس الذي لاحظَ بأنّ الكاتب من لحظة إدراكه بأنّه يخاطب جمهوراً عالمياً تتبدل طبيعة أعماله الإبداعية، منصرفاً إلى إزالة العوائق التي تحول دون الإستقبال العالمي. ويوجدُ إتجاه أكثر حدةً في مقاربة العالمية، إذ يرى أنَّ حظوة إنتشار المنتج الأدبي هي تدجينه من جانب النسق النيوليبرالي. وهذا يعني ضرورة توفير مواصفات الوجبات السريعة والسلع التي تغزو السوق في العمل الأدبي. ويقرُّ كيرش من جانبه أن الروايات الناجحة حسب عدد متابعيها هي تتواءَمُ مع مُتطلبات السوق. حيثُ يشيرُ إلى ستيغ لارسن الذي استوحى أجواء الرعب في رواياته من أفلام هوليوود. وما يساهمُ في الصعود نحو العالمية برأي الكاتب هو الإهتمام بالمستقبل البشري، أي لا بدَّ من أن تكون المادة الروائية مُطعّمةً بالنبرة التنبوئية.
ويفسّرُ كيرش عالمية مؤلف «إسمي أحمر» على ضوء مواقفه السياسية المتناغمة مع أجندة الإتحاد الأوروبي المناوئة للنظام التركي. أما بالنسبة لهاروكي موراكامي، مع أنَّ طوكيو هي مسرح أحداث روايته «1984»، لكن مرجعيته الثقافية تنتمي إلى الفضاء الأوروبي والأميركي. لذلك، يرى بعض النقاد اليابانيين أنَّ روايات موراكامي غير متشرّبة بروح الأصالة ومُتماهية مع مؤثرات الثقافة الغربية. وما يهمُ روبرتو بولاينو في «2666» الذي تنقّل بين عدة أمكنة واختلط ببيئات متنوّعة هو الإهتمام بالمستقبل. ويلتقي في هذه النقطة بموراكامي، لأنّ هاجس المصير هو ما يُشغل الإثنين.
وتدور رواية «أمريكانا» للكاتبة النيجرية تشاماماندا نغوزي أديتشي حول ثيمات الهجرة والهوية والتمييز العرقي الدفين في الولايات المتحدة الأميركية. كما يقاربُ الروائي الصومالي محسن حميد في «الأصولي المتوجس» الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي. ومن المعلوم، أنَّ هذا الموضوع يتصدّرُ واجهة الإهتمام العالمي منذ أحداث 11 أيلول، والأمر لا يحتاج إلى كثير من المجهود لإمساك الخيط الذي يجمع بين الأعمال التي يدرسها آدم كيرش. إذ تتوزّع موضوعاتها بين النزعة الإستشرافية والهاجس من الآخر والصراع بين التقليد والحداثة. وما يقوله المؤلف، إنَّ الروائي المُعاصر كلما أراد سرد مرويته ينساق وراء مواصفات الرواية العالمية تشخيص دقيق لصرعة أدبية في المرحلة الراهنة.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.