الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

نسرين بلوط
-
جريدة الجمهورية
الثلاثاء 28 أيار 2019
التحوّل المزاجي في كتابة غوتِّه
print
favorite
كعيّنةٍ من التفكير الدراماتيكي الفلسفي، جاءت رواية «آلام فرتر» للكاتب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، نموذجاً ملتوياً للتموّجات النفسية المزدحمة التي تتجاوزُ حدَّها في فكره الأدبي.

تجزّأ المونولوج الداخلي في ترنّح الرواية نحو اليأس القاتل، وتدهور الحدث المحتشد في أوصافٍ مجازيةٍ متراصّةٍ في حمى التصوير البيئي والسائد في عصره.

رسائل مؤثّرة
فرتر بطل الرواية، الشاعر الذي يتغنّى بجمال الطبيعة، وينحتها في جذورٍ متساويةٍ من الظلّ والنور، تأتي حكايته على شكلِ رسائل مؤثّرة لصديقه، يخبره فيها عن تجواله واستقراره في قريةٍ فائقة الجمال، مال إليها قلبه حيث التقى حبيبته شارلوت، التي وصفها في إحدى رسائله لصديقه قائلاً: «أؤكّد لك يا صديقي العزيز، أنّ مرأى مثل هذه المخلوقة يهدّئ نفسي المضطربة عندما تكون خواطري في عنفوان جيشانها، فهي تتحرّك في خلو بال داخل حدود دائرة وجودها، وتَنشد ما يسدّ حاجاتها يوماً بيوم، وعندما ترى الأوراق تتساقط، لا يثير ذلك في نفسها شيئاً سوى أنّ الشتاء على الأبواب».

مكبّل بالعشق
ولكنه اصطدم بجدارٍ منيعٍ هزَّ أواصرَ لبّه وقلَبَ عليه الأحزان. فقد اتضّح له أنّ شارلوت مخطوبة لشابٍ ارستقراطيٍّ راقٍ يدعى «ألبير»، ويتزوّج الإثنان لاحقاً، فيحاول فرتر أن يبتعد عنها، ولكنّه يجد نفسه متهتهاً بالعشق، مكبّلاً بأصفاده، فيبدأ بإظهار مشاعره الدفينة لها، فتحنُّ إليه بعد إلحاحه، ولكنّ أخلاقها لا تسمح لها بالتمادي معه، صوناً لزوجها وحبّاً له.
يقدّم لنا غوته في نهاية الرواية حلّاً أثار غضب النقّاد، ووقع كصدمةٍ مكتظّةٍ بالتساؤلات في عصره، إذ كان قرار بطل روايته فرتر محصوراً في فكرة الانتحار، الذي أقدم عليه من دون الشعور بالذنب، ومن غير محاولة الكاتب من موقعه اللامرئي رصد الضعف الناتج من مثل هذا العمل الفادح.
وقد هبّت عليه عاصفةٌ هوجاء من الانتقادات اللاذعة، حيث ذهب البعض إلى اتّهامه بتشجيع جيل الشباب على فكرة الانتحار، كوسيلة خلاص من آلامهم وتشنّجاتهم النفسية.

تجربة شخصية
جاءت رواية غوته انعكاساً لتجربةٍ شخصيّة مرَّ بها، حيث هام غراماً بفتاةٍ لم تبادله المشاعر، وغرّر بها تيهها الذاتي بجمالها، فلم يجد منفذاً للتعبير عن سخطه من موقفها إلّا من خلال كتابة تلك الرواية التي توّجت مشواره الأدبي. وقد اتّهمه البعض باستحضار جبنه عندما وقف عاجزاً أمام فشل حبّه في الواقع، وجعل بطل روايته ينتحر. وهو ما لم يستطع الإتيان به في الحقيقة. فقد عَشِق وخُذِل ورُدِم قلبه، ووصف الزيزفون واستراحة الشجر في قيلولة النسيم، وهجود الشمس في واحة الأفق، فحفّز أبناء جيله على الانتحار في سكرات اليأس.
الكتابة عن تجربة ذاتية لم تكن سائدة في أيام غوته، وقد خرج عن المألوف بتركيب روايته على أساس التستّر بقناعٍ خفيّ، واصفاً معاناة ذاتية، وقد جدل فلسفته كعادته في ضفائر من التعبير الإنساني، والحفْر في بئر السكون المنطقي لتأمّل الموجودات، وما يشمل الكون من التحوّلات الهائلة. فكان تحوّله المزاجي من بداية الرواية إلى نهايتها شاهداً على معاناته، ومحاولة انتقاله من ضفّة التعبير إلى ضفّة التغيير. فانعكس هذا مثلاً على تعبيره في الرواية عندما قال: «خير للبشر لو كفّوا عن تقليب ذكريات الأحزان الغابرة بخيالهم المتّقد، بدلاً من تحمّل حاضرهم بصبر وطمأنينة، ولكن الله وحده يعلم لماذا جبل الناس على هذا».

فلسفة الموت
غوته الكاتب الرومانسي، والفيلسوف العالم الباحث في الأديان، والمتقن للّغات، والمتصاعد في تحويرِ الحبكة وتطوير أصولها في رواياته، ورصدِ المدى الرمزيّ في أشعاره، يترأّسُ في روايته «آلام فرتر» فلسفة الموت، مترنّماً بفكرة فلسفته الشمولية في البرهنة والمحاججة. وبقي إبداعه رغم النقد والتكفير والتفكير، حادّاً كعين الشمس، بارزاً في وضح الشروق لمن أراد التنقيب في عالمِ الأدب الحقيقي.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.