الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الاثنين 20 أيار 2019
«على قبوركم».. رواية واحدة بنهايتين
print
favorite
سبك خيوط المواد في إطار العمل الإبداعي يحتّمُ وجود رؤية وبرنامج واضحين، وإلا فإنَّ كل ما يُقدَّمُ عبارة عن فوضى وتراكمات لا تجمعها السياقات ولا الخطوط التي من دونها يكون الخطاب مهلهلاً غير مُتماسكٍ. ومن الواضح أنَّ الرواية أكثر من أي جنس أدبي آخر تدعو إلى معرفة أدواتها والدراية بتقنياتها. إذ تمكّنَ عدد من المبدعين من توظيف التقنيات السردية بما يخدمُ مشروعهم الروائي، بحيث أنَّ هيكلية النص تعضدُ مكوناته الأُخرى، وهذا العنصر هو ما تستمدُّ منه رواية «على قبوركم» للفرنسي بوريس فيان فرادتها.

يبرعُ الكاتبُ في استثمار قصة غائبة لبناء أخرى جديدة أو ما يوازيها. إذ يتابعُ المُتلقّي سرداً أفقياً على لسان الراوي «أندرسون» وما يتخللُ هذا الخطَ من الإشارات التي تحيلُ إلى ما وقع قبل انطلاقة الحركة السردية.

مع وصول «لي أندرسون» إلى بوكتن، يحلُّ هناك مكان مدير متجر الكتب «هامنسون» الذي يريدُ التفرّغ لتأليف الروايات. وما يذكرهُ الراوي المُتَضَمِن من البداية يقومُ عليه بناءُ العمل بأكمله، وبالطبع فهم ذلك الأمر يتّضحُ مع مضي السرد ورصد يوميات القادمُ إلى المدينة وهو لم يحملْ معه شيئاً سوى دولار واحد ومسدس، لمن يصفه بالصبي المنسحب ظاهرياً من أطر الأحداث. غير أنَّ مقتله على يد «آل موران» هو المحرّك الأساس لحلقات السرد وتعقدُ عليه وحدات الرواية، لذا تتواردُ الإشاراتُ إلى هذا الحادث المُحفّز على الفعل الإنتقامي. وما يهمُّ القارئ هو فهم ملابسات الظروف التي راح فيها الصبي ضحية. وهذا ما يكشفهُ عندما يحكي «لي أندرسون» عن أصوله الزنجية وما يعنيه ذلك في مجتمع مُتخم بظاهرة التمييز العُنصري.

حيلة القدر
بدلاً من مكر التاريخ الذي قال به الفيلسوف الألماني «هيغل»، ترى في طيات هذه الرواية حيلة القدر، حيثُ يختفي أثر الأصول الزنجية على تقاسيم وجه «لي أندرسون»، وهذا يُمكنّهُ من الإندساس في مجتمعِ البيض. إذ يعتبرُ توم أنَّ غياب العلامة الدالة الى بشرة أخيه الصغير يوفّر عنه غبن الممارسات العنصرية. يُذكر أنَّ الحوار الذي يدور بين «لي أندرسون» وإبنة الرجل الأرستقراطي السيد «آسكيث» يوحي بوجود نزعة عنصرية دفينة لدى هؤلاء البيض. أكثر من ذلك، فإنَّ «لي» يتوجّسُ من كلام أصدقائه عن بنيته الجسمانية، إذ يتأمّل جسده أمام المرآة بعدما يقولُ له ديكستر إنَّ لديه كتفين مائلين مثل ملاكم أسود، غير أنه يجاهر أحياناً بإطراء الزنوج واستغلال الأوروبيين لما أنتجه السودُ، خصوصاً على المستوى الفني». إذ يبدوُ «لي أندرسون» في نقاشه مع «لو» مدافعاً عن بني جلدته بقوّة، وهو أمر يورثُ الشَك لدى أخت عشيقته. فكانت جين آسكيث فريسة سهلة بالنسبة لـ»لي أندرسون» إذ يلتحم بجسدها وهي ثملة على مرأى صديقتهما المشتركة «جودي» في مشهد موغل بالفحش والإباحية. ومن ثُمَّ يبلغها بأنَّه يفضّل أختها ويرغبُ بإقامة التواصل الجسدي مع «لو». 

كلما تصاعدت وتيرة الأحداث غابت الشخصيات التي تتواتر أسماؤها في الصفحات الأولى، تاركةً المجال بأوسعه لشخصية البطل وأختين، ومما يزخمُ السرد أكثر هو ما يعرفه «لي أندرسون» بأنَّ جين حامل منه، وتطالبه بإعلان زواجهما. إلى هنا يبدأ شوط آخر من اللعبة بين «لي» والإثنتين، ويخبرُ «لو» بما تريده أختها. إذ يستدرج الأخيرة أيضاً إلى شباكه دون أن يؤثر ذلك على إيقاع حياته ولا ينفصلُ عن عصابته المكوّنة من «جودي»، و»ديك»، و»جيكي». 
القاتل

يتحوّل «أندرسون» من «دون جوان» إلى قاتل، ومما يُضاعف من بشاعة جريمته هو إيهام «لو» بأنه يحتاجُ إلى رفقتها في السفر نحو مكان إقامة «جين»، مشيراً إلى أنّه في الطريق يوضح سبب وجودها بجانبه. قبل الرحلة يشتري الرصاص والفأس والمجرفة ويطوى المسافة التي تفصله عن بريكسفيل. تستقرُ لو إلى جانب قاتلها في سيارة (باش) ويستعيدُ (أندرسون) لحظات قد أمضاها مع (جين) والأوضاع التي عاشها في حالة حميمية، سارداً لشقيقتها التفاصيل، ومعبّراً عن رغبته الشديدة لممارسة تلك الفعلة معها. وعندما تنزل من السيارة ذاهبة نحو الأجمة، يلحقها أندرسون، لكن في هذه الأثناء يتلقى رصاصة تُطلقها لو، إلاّ أنّ أندرسون يتمكن منها ويعصبها بالحبل ويصفعها ويمعنُ في التنكيل بها، سائلاً إيّاها عن سبب محاولة قتله، تفاجئه بأنَّ «ديكستر» أخبرها بأصله الزنجي. وهو بدوره يذكر ما يعانيه من ألم بعد مقتل أخيه على يد البيض. هنا يجمع المشهدُ أقصى الإجرام والسادية في أقسى صورها مع الجنس، إذ يشربُ أندرسون من دم ضحيته وهو يغتضبها مستمتعاً بصراخها. ينزفُ جرح «أندرسون» دماً وبالتالي يفقد القوة ما يثير الخوف لدى «جين» عندما يصل إليها، لكنه يؤكّد بأنه خدش بسيط. ولا يمضي كثير من الوقت قبل القيام بإكمال مشروعه، إذ يكشفُ عن هويته الزنجية لـ»جين» ويقتلها بمسدس «لو»، ويتوغل في السادية بممارسة الجنس مع الجثة. 

يشارُ إلى أنَّ ما يفرّقُ هذا العمل عن النمط السائد من الروايات التي تشتغلُ على الثيمة نفسها، هو الإسترسال في المشاهد الصادمة وما تحمله عتبة العنوان من دلالات صافعة. إذ يمزجُ السردُ بين الإجرام والعربدة والإستلذاذ بالقاصرات والتوحّش في رغبة الإنتقام.

وما يجبُ الإشارة إليه هو تصميم الرواية وقصة الظل التي يلمسُ المتلقي خيوطها في الإطار العام للعمل، وتنتهي بمقتل الصبي لأنّه أقام علاقة حب مع فتاة من عنصر البيض، هذا إضافة إلى متابعة ثلاثة أشهر من حياة «لي أندرسون» المشبعة بحس الإنتقام والتماهي مع الجلاد. وما يصعّدُ من منسوب التشويق والإثارة هو تماسك تركيبة الرواية بفعل إشارات ذكية.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.