الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
الجمعة 17 أيار 2019
بلاغة الكوميديا في رواية "ميتتان لرجل واحد"
print
favorite
شَغل الموت بلغزه وتعقيداته فكر الإنسان، وهناك من يعزو وجود الفلسفة والدين إلى تأملات الإنسان في الموت، واحتياجه الشديد إلى المواساة ومُثابرته للبحث عن الأدوات التي تُمكّنه من تحليل القوة المُتَحَكِّمة بالمصير. وتتّسم الآليات المُتَداولة لِمقاربة هذه الإشكالية بالغموض، وهو أمر نراه في مضامين الأعمال الأدبية التي تناولت هذا الموضوع أيضاً، لكنّ الكاتب البرازيلي جورج أمادو فضّل معالجة مفهوم الموت في روايته «ميتتان لرجل واحد»من منطلق مُغاير، وتبنى أسلوباً فكاهياً لتحبيك أحداث عمله.

بقدر ما يتّصف نصّ أمادو بالبساطة والتطعّم بالفكاهة والسخرية، فهو مثير للأسئلة على عدة مستويات. ويعتمد في مادته على بنية الحدث الأساسي حيث يكون خبر موت «جواكيم سواريس دا كونيا» أو ما عرفَ بين الصعالكة بـ«كينكاس هدير الماء»، محرّكاً للسرد الذي يديرهُ الراوي المراقب بضمير الغائب. إضافة إلى ذلك، فإنّ مُفردة العنوان لا تخلو من الإيقاع الخبري، ما يعزّز الربط بين تلك العتبة والمحتوى بتفاصيله التي تتمحور حول ما شهدتهُ حياة «كينكاس»، وتحوّله الصادم من موظّف يحظى باحترام العائلة إلى رجل سكّير مُتشرّد.

القطيعة
بعدما يهجر «جواكيم» البيت ويقطع علاقته مع العائلة، يبدأ حياة جديدة وينغمسُ في الأوساط المُهمّشة، ولا يرتاح أفراد عائلته لهذا التصرف واعْتُبِرَ الانقلابُ في شخصية الأب لطخة عار. يتكفّلُ الراوي، وهو الأنا الثانية للكاتب، بإيراد ما رافق واقعة موت الموظّف المحترم من التضارب في المرويات، ومن ثُمّ ما أثار لدى أبناء أسرته من ردود فعل مُتباينة.

هنا تدخلُ شخصيات أخرى في فضاء النصّ، وبالتالي يكون المُتلقّي على معرفة بمستوى هؤلاء ودورهم في منظومة العمل الذي ينطلقُ من عنصر الحدث، حيثُ يُلمّحُ إلى خلفيات عائلة الميت إبنته «فندا» المتزوّجة بليوناردو، الموظف الحكومي وصاحب سجلّ مُبشّر بمستقبل واعد، والأخ الأصغر وهو تاجر لديه رصيد متواضع في البنك، والعمّة «ماروكاس». وما ان يخبر بائع التماثيل الدينية الإبنة وزوجها بخبر موت جواكيم، حتى يتنفّس الإثنان الصعداء، لأنّه بتلك النهاية يطوى ملف رجل كان قد أساء لعائلته، وكان انجرافه وراء القمار وحياة الصعلكة قد تحوّل إلى حكاية تناقلتها ألسنة الجميع. يتأملُ البائع صورة كينكاس وهو في الخامسة عشرة من عمره مع زوجته «أوتا سيليا»، وهكذا يسلسلُ السردُ إلى أن تذهبَ الابنة نحو المكان الذي ترقد فيه جثة والدها.

فالصورة كانت مُناقضة لِما كان من المفترض أن يختمَ بها موظف الضرائب الخجول مسيرة حياته. إستدعَت فندا الطبيب الشرعي فأرادت من خلال الشكليات ترميم شخصية الوالد، لذا أصرّت على لفِّ الجثة بثياب أنيقة. وفي ذلك انتصار لـ«جواكيم» قبل أن يموت اجتماعياً وقطعية معاكسة.

مراسم
يتابعُ المُتلقي في قسم آخر من الرواية وجود فندا في المكان الذي يضمّ جثة الوالد، فإنّ مكوناته تَشي برثاثته، وهنا يتّخذ السرد منحى مشهدياً حيث يدور حوار خاطف بين الطبيب الشرعي والابنة، ويتدخّلُ بائع التماثيل شارحاً الظروف التي مات فيها «كينكاس»، ويعقبُ ذلك نقاش بين أفراد العائلة حول تكاليف الدفن، ويقرّر توكيل أمر الجنازة إلى وكالة مُختصة بهذا الأمر. وتم الإتفاق على شراء بذلة للميت إضافة الى حذاء وقميص وجوارب، أمّا الملابس الداخلية فلا حاجة إليها. وعليه، فإنّ هذا الرأي يضمرُ نسقاً ثقافياً لا يهمّه سوى المظاهر. 

إلى جانب ذلك يفضحُ آمادو العقلية النفعية المُتمثلة بشخصية إدواردو، كذلك فإنّ صهر الميت يريدُ اختصار مراسم الجنازة من دون تحشيد عدد غفير من الناس نظراً لِما يتطلّب ذلك من التكاليف، وما انفك يقارن ليوناردو بين حذائه البالي وما في قدمي الميت. أخيراً تقتنعُ فندا بعدم ضرورة نقل جثة الميت إلى المنزل. بعد الانتهاء من الطعام طلبوا الحلوى، وفيما هم منشغلون بنقاشهم، تناهى إليهم صوت يعلن عن عروض بيع رائعة. فأهم ما توصّلوا إليه خلال الجلسة هو توزيع الأدوار في سهرة على الميت. فندا وماروكاس في الظهر وليوناردو والعم إدواردو بالليل.

راقبت الإبنة ما قام به رجال الوكالة من ترتيب الميت وتجهيزه، وهذا ما بَدّل إحساس فندا واعتقدت بأنَّ روح أمها ترتاح بما أنجزته من استعادة صورة الأب المحترم وإنقاذه من البوهيمية، قضى خلالها عشر سنوات متشرداً وأُطلقت عليه ألقاب متعددة، مثل «سيناتور التسكّع والحانات» و«فيلسوف منحدر السوق». وكان لموت كينكاس وقع أليم بين أصدقائه، وخيّمَ الحزن على الحانات والمحلات، وصدم الخبرُ المقامرين وأصحاب المراكب لأنَّ كينكاس حلف بأن يخصّ البحر بشرف نهايته. 

والأهم في هذه الرواية هو رصد موقف أصدقاء كينكاس الذين يتوافدون على الغرفة التي يسهر فيها الأهل على الميت، ومن ثمّ يقترحون على إدواردو العودة إلى بيته للاستراحة. فعلاً، لم يبقَ إلى جانب الجثمان سوى أصدقائه الثلاثة الذين يوزّعون ملابس الميت فيما بينهم، ولا يكتفون بذلك بل يحملونه إلى بيت كتاريا حيث يتمدّد هناك على السرير، كما يعود الصخب والحركة إلى الشوارع والحانات بعد تفنيد خبر موت (كينكاس).

الكوميديا أساسية
يُشار إلى أنّ الكوميديا هي عنصر أساسي في مفاصل النص، لاسيما في فقراته الأخيرة عندما يمسكُ الأصدقاءُ بزعيمهم الميت ويضعونه في المركب إلى أن تهبّ العاصفة وترعد البروق ويلقي كينكاس بنفسه في البحر ويدفن كما أراد. وما يلفت النظر في شخصية جواكيم هو تحوّله في الخمسين من عمره، ولولا هذا الحدث ما سقطت الأقنعة على الوجوه التي لا يهمّ أصحابها غير المظاهر.

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.