الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

كه يلان محمد
-
جريدة الجمهورية
الخميس 14 شباط 2019
الخَطّ الثالث في مقاربة الثورة
print
favorite
لعلّ ما يلاحظه المتابعُ للأعمال الروائية التي تناولت ثيمة الثورة، هو الإنقسام بين التدبيج للثورة من جهة أو التنقيب عن أخطائها من جهة أخرى. هذا الإستقطاب إنعكس بوضوح في مقالات صحافية وليس فقط في الأعمال الروائية والدراسات التاريخية فقط. غير أنَّ الروائي الجزائري الحبيب السائح، آثر أن يتّخذَ مسلكاً مُغايراً في روايته المعنونة «أنا وحاييم»، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر.

يعالجُ حبيب السائح روائياً لحظة مفصلية في تاريخ بلده من مستوى جديد، ويرصدُ تداعيات وجود الإستعمار الفرنسي في الجزائر، ملمّحاً إلى حادثة المروحة، التي تذرّع بها الفرنسيون لزحفهم نحو الجزائر. حيثُ أنّ الأجيال اللاحقة من الجزائريين، كان عليهم الإقتناعُ بما يرويه الوافدون عن الدافع وراء إحتلال بلدهم.

فيما يستعيدُ أرسلان ما سمعهُ من أستاذه الفرنسي في ثانوية المُعسكر وإحضاره لصورة الداي حسين، التي تظهره يلطم القنصل الفرنسي دوفال وتأييده للغزو العسكري، عقاباً على هذا التصرّف المهين لممثلي الدولة الطامحة للدور الإمبراطوري.

خيط فاصل

طبعاً، الخيط الذي يفصلُ بين سرد الحبيب السائح والمادة التاريخية البحتة هو إيراد المعلومة بصيغة الحوار على لسان الشخصيات والإشارة إليها دون الإغراق في التفاصيل.

كما لا يتجاهلُ الكاتبُ وقائع ما بعد العهد الإستعماري وما رافقها من الظواهر التي كانت خطراً على بنيان المجتمع الخارج لتوهّ من تجربة مريرة، مُنخرطاً في الإختبار المصيري. وبذلك، يضعُ حبيب السائح خطاً ثالثاً يوفّرُ إمكانية مقاربة الموضوع الشائك بأبعاده المُختلفة.

الحيادية

بالنظر لما ذُكِر آنفاً، يمكنُ توصيف منحى السرد في رواية «أنا وحاييم» بالمُحايد، وما يسوغُ ذلك هو مُعالجة المُعطى التاريخي بعيداً من المُنطلق الآيدولوجي والتعبوي. تنطلقُ حركةُ السردِ مع استعادة الراوي (أرسلان) مُعتمداً على ضمير المُتكلّم للحظة التحاقه بثانوية المعسكر، مُحدّداً الزمن الذي يفصلهُ عن ذاك اليوم.

ومن ثمَّ يسترسلُ في رواية مراحل حياته، بدءاً من طفولته مروراً إلى سنوات الجامعة ومعرفته بصادق وحسيبة ومشاركتهِ في نشاطات الطلبة ومُغامراته في اختلاس اللذة. إذ أنَّ ما يجمعُ أرسلان بصديقته الفرنسية ليس الإهتمامات المشتركة والخلفية اليسارية، بل الإيمان بأنَّ الحرب لا تحولُ دون نشوء الحبّ، في زيارتها لأخيها الجريح بمدينة وهران، تصادف وجود أرسلان، إذ يمضي الإثنان أوقاتاً مُفْعِمَةً بصخب الحب. أكثر من ذلك، يحتفظُ إبنُ مدينة سعيدة بصورة الفتاة التي يسمّيها حاييم بالرومية.

وما هو ملفت في هذا السياق هو عدم تنكّر الراوي لما تربّى عليه، وما أن يمر على مدينة تلمسان حتى يتذكّر أمنية جدته ربيعة بزيارة مقام سيدي بومدين، ويمشي إلى الضريح تقديراً لها.

وما يضفي حسّاً شعبياً لهذا العمل، هو الإشارة إلى التقاليد وأنواع المأكل والألبسة، فضلاً عن المُفردات الخاصة بالبيئة الجزائرية. كما يوازنُ الكاتبُ بين ما يذكره عن تطوّرات الثورة وبين تضاعيف الرواية ومُتابعة أنماط الحياة العادية لشخصياته المُتخايلة.

إذ تتداخلُ أطياف الحب وأخبار استشهاد الثوّار جرّاء الإشتباكات مع المُحتل. وبذلك، ينفتحُ قوس السرد على ثيمات مُتعدّدة، ولن تكون ثيمة الثورة مهيمنةً على فضاء العمل.

إلى جانب الثورة، تتواردُ موضوعية التعايش والحب والحنين والإنتماء عطفاً على ما سبق. ينجحُ مؤلّف «زمن النمرود» في إظهار النزعة العنصرية من خلال ما يطلقُه الفرنسيون على أبناء البلد. إذ تتواترُ كلمة الأنديجان المُحمّلة بشحنة الإستعلاء والإستهانة ضد الآخر.

وفي هذا الإطار تأتي إحالاتُ إلى إحتلال ألمانيا لفرنسا ومشاركة الجزائريين في حرب التحرير ضد النازية. فوالد علي يُمثِّلُ نموذجاً للضحية، بينما يخرجُ في الحرب ضد ألمانيا مُعاقاً يخسر إبنه في الثورة على المحتل الفرنسي.

لا يقفزُ الراوي على نماذج إنسانية سامية من الجالية الفرنسية موريس بيريه أبان عن رؤية مُتفهمة للمطالبة بالحرية ورفض الوصاية الإستعمارية، وهكذا يغطي الكاتبُ الموقف على كل المستويات.

التكامل

يبدو واضحاً من العنوان، أنّ البطولة تتقاسمها شخصيتان في الرواية، (أرسلان) المشار إليه على الغلاف بضمير المُتَكَلِم وصديقه (حاييم)، فالأخير ذو أصول يهودية وهو ندُّ للراوي في النهوض بالسرد، كما أنَّ العلاقة بين الإثنين ليست تنافسية أو ضدية بقدر ما يمكن وصفها بالتكاملية.

مع أنَّ حاييم لا يشاركُ في الثورة ولا يلتحقُ بهم في الجبل، لكن صيدليته تتحوّلُ إلى مصدر لتمويل الثورة، فيما أنّ معظم أتباع الديانة اليهودية يغادرون الجزائر إلى أن يصبحَ بعد الثورة معبدهم (البيعة) مهجوراً أو يُهدم. وعندما يسألُ الراوي صديقه أين سيذكر الله من دون المعبد، فيردُّ بسؤال إستنكاري، ويقول: «ما فائدة بيعة لم يعدْ لها مؤمنون».

تكتسبُ شخصية حاييم دلالة رمزية. فمن جانب يشيرُ إلى ما كان يتّصفُ به المجتمع الجزائري من تنوّع ووئام على المستوى الإجتماعي، كما يكشفُ عن تأزّم عميق عاشه بعضُ الجزائريين بعد إسدال الستار على عهد الإستعمار. فهو يضحّي بحبّه لغولدا التي تعقد موافقتها على الإرتباط به بالهجرة إلى أرض الميعاد.

ولعلّ الحوار الذي يدور بين حاييم وغولدا من أكثر الفقرات تأثيراً وتشويقاً، إذ تراقب التمزّق بين الإنتماء إلى تاريخ ساهم حاييم في صناعته وحبٍ سيكون مجرّدَ ذكرى وليس أكثر.

أضفْ إلى كل ما سلف، فإنَّ دور المرأة لم يكنْ ثانوياً في جيش التحرير، إذ تنضمُّ زليخة إلى الثوّار بعدما تثأر لأبيها وتقتلُ آلان بورسيه. كما تشهر المسدس ملوّحة بالتهديد لمن يريدون السطو على بيت صيدلية حاييم، مُستغلّين فوضى ما بعد الثورة.

انتقادات جريئة

كما ذكرنا في بداية المقال، فإنَّ هذه الرواية ليست تعبوية. لذلك يضمنُ كاتبها إنتقادات جريئة لمرحلة ما بعد الإستعمار. إذ يفصحُ أرسلان عن مخاوفه ويخبرُ رفيقه زياد بأنَّ القادم سيكون أسوأ، كما يسرُ بذلك لحبيبته زليخة، فيما تعتبر ما هو قائم مرحلة إنتقالية.

يُحسب لهذه الرواية التنظيم على المستوى الزمني. إذ تتداعى ذكريات أرسلان إبن أحد أعيان مدينة سعيدة، حين يتوقف أمام باب بيت صديقه، إلى أن يفارق الأخير الحياة في مستشفى وهران.

ولا ينقطعُ تيار السرد قبل الإشارة إلى ما شهده البلدُ من الإنقلابات. وفي انصراف الراوي إلى مهنة التدريس إشارة ذكية إلى أن التحديث يتطلب عقلية جديدة. 

DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.