جريدة الجمهورية
الاثنين 25 أيلول 2017
الرجوع إلى المدرسة والإضطرابات النفس-جسديّة
عاد التلامذة إلى مدارسهم، وعاد الأساتذة إلى صفوفهم، وتواجَد المدراء في مكاتبهم لمساعدة الأهل والتلامذة والأساتذة في السنة الدراسية الجديدة. تتخلّل عودة التلميذ إلى مقعده الدراسي، إضطراباتٌ تطاله وأهله، تكون بعض الأحيان مخفيّةً وغيرَ ظاهرة. ففي حين يتمكّن بعض الأطفال من التأقلم السريع مع هذا التغيّر، يمكن أن يشعر آخرون ببعض الإضطرابات النفس-جسديّة خلال رجوعهم إلى المدرسة. وماذا عن والد ووالدة هذا التلميذ؟ هل حقاً يشعر الأهل أيضاً ببعض الإضطرابات النفس-جسديّة عند رجوع طفلهما إلى المدرسة؟ وما نوعيّة هذا الإضطراب؟ وكيف يمكن مساعدة الأب والأم في هذا المضمار؟
كثيرة هي الإضطرابات النفس-جسدية التي يمكن أن نصادفها في حياتنا. والمشكلات النفس-جسدية هي مشكلات صحية، سببها نفسي. مثلاً، عندما يقلق شخص من «شيء ما»، ولا يعبّر بطريقة واضحة وشفافة عن قلقه، ربما يُترجم هذا القلق من خلال إضطراب جسدي: وجع معدة، قلة النوم، تقيّؤ، إسهال، وجع الرأس... وصولاً إلى مشكلات صحية وأمراض عضوية خطيرة.

ولا يعاني الشخص الراشد وحده من هذه الإضطرابات، ولكن أيضاً يمكن أن يعاني الطفل منها وخصوصاً التلميذ بعد رجوعه إلى المدرسة في ظلّ القلق الذي ينتابه بسبب الإمتحانات...

الإضطرابات النفس - جسديّة والتلميذ

تفسّر الأخصائية بالمتابعة النفس-جسدية، هبة حطيط لـ«الجمهورية»، بأنّ «النضوج النفسي عند الأطفال يمرّ بمراحل عديدة، ويتفاوت بين طفل وآخر، كما يختلف بإختلاف عمر الطفل وعلاقته بمحيطه وبيئته. إنّ قدرة الطفل على التعبير عن قلقه لفظياً والتعبير عن مخاوفه يشكّلان عاملَين أساسيَّين في تجنّب الاضطرابات الصحّية.

فأيّ مشكلات نفسيّة يمكن أن تعترض الطفل، تؤدي الى خلل في الجهاز المناعي لديه وبالتالي تؤثر تأثيراً مباشراً في صحته الجسدية». وتضيف الدكتورة حطيط، بأنّ «عودة الطفل إلى المدرسة يمكن أن تزعزع استقرارَه النفسي، ويصبح معرَّضاً إلى القلق والتوتّر الشديد».

وتظهر الاضطرابات نفس جسدية، في الجسد، على الشكل التالي:

• أوجاع في البطن وغثيان
• التهاب اللوزتين
• اضطراب في الجهاز الهضمي
• صداع وآلام جسدية لا تفسيرات لها...


ويمكن أن تظهر عوارض وأمراض مزمنة، كالربو والحساسية.

أما على الصعيد السلوكي، فتعتبر د. حطيط بأنّ «الطفل الذي يعاني من الإضطرابات النفس-جسدية، يصبح عصبياً، وعدائياً أو منزوياً، كما قد يعاني من إضطرابات النوم، مصحوبةً بالكوابيس وصرير الأسنان، والتبوّل غير الإرادي في الليل...»، كما يمكن أن يمارس عادات كان قد تخلّص منها، مثل مصّ الإبهام وقضم الأظافر...

الأهل وإضطراباتُهم النفس-جسدية

تفسّر الدكتورة حطيط، بأنّ دخول الطفل الى المدرسة يخلق مخاوف عند كلا الوالدين، كما عند الأطفال.

وتتجسّد هذه المخاوف عند الأهل باضطرابات نفس- جسدية عديدة، من أبرزها اضطراب في الجهاز الهضمي وصداع وأرق وتوتّر وإرهاق...، وهي اضطرابات غير إرادية ناتجة عن عدّة عوامل مدرسية، منها:

• الابتعاد عن الطفل
• تقييم الطفل ومقارنته مع الآخرين
• الالتزامات اليومية والمالية المستحقة


ولا تشكّل المدرسة وحدها العامل الأساسي في ظهور تلك الاضطرابات، إذ غالباً ما تتصاحب الاضطرابات النفس-جسدية مع مشكلات شخصية ومهنية وصحية عدة تؤدي إلى ظهورها لفترة محدودة عند الأهل.

دورُ الوالدَين؟

يلعب الوالدان دوراً اساساً في تخفيف حدّة الاضطرابات عند أطفالهم، لذا، يتوجّب عليهم عدم نقل قلقهم ومخاوفهم ومعاناتهم المدرسية السابقة إلى أطفالهم، والانتباه إلى الإشارات النفس-جسدية المذكورة سابقاً، وعدم التقليل من أهميّتها، إضافة الى تحديد وقت ظهورها ومدّتها الزمنية والتغيّرات المؤلمة التي سبقتها، وقد يساعد ذلك في التمييز بين قلق موقت أو صعوبة في التكيّف مع الواقع الجديد.

وتضيف د. حطيط بأنه يجب على الأهل، مساعدة الطفل ليجد الحلول لمشكلاته وحده عبر اتّباع الخطوات التالية:

• الاستماع إلى الطفل وتشجيعه على الكلام.

• عدم الإستهانة بما يعبّر عن قلق وخوف.

• الدخول بحوار عميق مع الطفل وعدم الاكتفاء بالأسئلة السطحية.

• محاولة تحديد مصدر القلق والتعامل معه بجدّية وموضوعية مع كثير من الهدوء. ويمكن أن يكون مصدر القلق من الأصدقاء، أو من الواجبات المنزلية، أو بسبب علاقة الطفل غير المتينة مع معلّمته في الصف.

• مراجعة أخصائي نفسي مدرسي في حال فشل الأهل في حلّ الأمور بنفسهما، وظهور العوارض بشكل متكرّر.
كما يجب على الأهل ألّا يبالغوا في التعبير عن خوفهم من الابتعاد عن أطفالهم، بل يجب عليهم أن يعمدوا الى تبادل الخبرات والمهام التعليمية مع المؤسسة، ما يؤدي الى تعزيز ثقة الولد بنفسه، ونموّ شخصيّته والانخراط في محيطه الجديد ككائن مستقل.

وتضيف د. حطيط، بأنه يجب على المدرسة خلق ثقة متبادلة مع الوالدين عبر دعوة الأهل الى فهمٍ مفصَّل لكيفية عمل الصف، وتطوّر الطفل، بغض النظر عن مقارنته مع الآخرين، إضافة الى تشجيع الطفل على التعبير عن قلقه ومخاوفه. ولكن ما هي الخطوات التي يجب اتّباعُها خلال الأيام المدرسية الأولى؟

تؤكّد الدكتورة حطيط أهمية مرافقة الأهل للطفل في سنواته المدرسية الأولى، ومساعدته على التأقلم التدريجي مع محيطه الجديد. ثمّ لاحقاً يمكن خلق مناخ إيجابي للطفل عبر تزويده بالتوجيهات اللازمة، ودفعه الى مواجهة محيطه الجديد بشكل مستقل. فالقلق الزائد بحدّ ذاته، يشكّل خطراً كبيراً على ثقة الطفل وبالتالي قد يؤثر سلباً في نضوجه النفسي.