الإسم
البريد الإلكتروني
١ - إسم صديقك
١ - البريد الالكتروني لصديقك
٢ - إسم صديقك
٢ - البريد الالكتروني لصديقك

على مدار الساعة

جنى جبّور
-
جريدة الجمهورية
السبت 27 أيار 2017
«نوبات الهلع» ليست خطيرة... وعلاجها سريع وشافٍ!
البروفسور في العلوم النفسية والعقلية د. عادل سليمان أبو زرعه
print
favorite
بينما كان فادي يقود سيارته وسط زحمة السير في بيروت، شعر أنّ قلبه يكاد يتوقف، وبدأ بالرجفان والتعرّق والتنميل. وأمام رهبة هذه اللحظات التي توحي بأنّ الموت أصبح قريباً ومحتَّماً، وصل بصعوبة الى طوارئ إحدى المستشفيات، وأكدّ له الأطباء بعد فحصه أنّه لا يعاني من أيّ مشكلة عضوية، رغم تكرار هذه العوارض بين الفترة والأخرى. فما هي مشكلة فادي؟ ولماذا يعاني منها اللبنانيون أكثر من غيرهم؟
نعيش تجربة الخوف، عندما نواجه أمراً معروفاً ومحدَّداً، يُشعرنا بعدم الارتياح. ولكن ماذا إذا اصابنا هذا الشعور مصحوباً بعوارض جسدية دون أيّ سبب واضح؟ نعم، نحن نتحدّث عن نوبات الهلع (panic attack)!

فإذا كنتم من الأشخاص الذين يصابون بذلك دون معرفة السبب، اليكم تفاصيل هذا الموضوع، التي يفيدنا بها البروفيسور في العلوم النفسية والعقلية في جامعة «أوهايو» الأميركية، ومدير العيادات الخارجية للأطباء المقيمين في «cleveland clinic akron» الدكتور عادل سليمان أبو زرعه، في حديث خاص لـ«الجمهورية» قائلاَ: «يصيب الهلع الانسان بنسبة 2 الى 6 في المئة من سكان العالم، ويحدث فجأة وبصورة سريعة. تحدث النوبة مرات عدة في اليوم، أو أخرى قليلة في السنة. وتحدث غالباً في فترات اليقظة، ونادراً ما توقظ المريض أثناء نومه».

النوبة القلبية

يُصاب المريض خلال نوبة الهلع بخوف عظيم، فيظن أنّه يعاني من نوبة قلبية قاتلة، فيتوجّه الى طوارئ المستشفى، شاكياً من أوجاع في الصدر والقلب. إلّا أنّ الفحوصات والتخطيطات تنفي وجود أيّ مشكلة.

إضافةً الى ذلك، تكثر العوارض المرافقة للنوبة، ويعدِّدها أبو زرعه «نشاف الفم، الرجفة، التعرق، ارتخاء المفاصل، تنميل الشفتين أو الوجه، عدم القدرة على إمساك البول أو الخروج، الاسهال، وجع الرأس، قلة النوم، التعب الشديد، والأفكار الاستباقية المخيفة والتردّد بالقيام بأيّ عمل، خوفاً من النوبة المقبلة».

بين العوارض العضوية والنفسية

تُعتبر النساء أكثر عرضة للاصابة بنوبات الهلع بين عمر الـ30 الى 33 سنة. ولكن كيف نفرّق بين العوارض العضوية والأخرى النفسية؟ بحسب أبو زرعه: «لا يمكن التحدّث عن مرض الهلع إلّا إذا كانت النتائج المخبرية والفحوصات السريرية تستثني الأمراض الجسدية، خصوصاً مشكلات الغدة الدرقية والكظرية، لانهما يسبّبان عوارض شبيهة لنوبات الهلع. لذلك، عندما يزور المصاب الطبيب من الضروري التأكد من نتائج الفحوصات لا سيما عدم انتظام الهرمونات».

تشير الدراسات الجينية الى وجود تسلسل وراثي وجيني بنسبة 40 الى 50 في المئة عند المصابين، إذاً يمكن أن يرثوا هذه النوبات من أحد الوالدين أو من الاثنين معاً، وعادةً يعاني المرضى أيضاً من مشكلة بسيطة على مستوى القلب، تُسمّى هبوطاً في الصمام التاجي أو المتري، الذي يمكن أن يتعايش معه المريض طبيعياً ولا يؤثر على الحمل أو الولادة.

النوبة الأولى!

الى ذلك، تكمن المشكلة الحقيقية للمرضى بالشعور بالخوف الدفين والحقيقي ولكن غير الواقعي. ويلفت أبو زرعه الى أنّ «المريض يتذكّر مكان وزمان ووقت النوبة الأولى التي أصابته، فيحاول تجنّب مكانها خوفاً من تكرارها وفقدان السيطرة، فتكثر حالات تجنّب الاماكن لاسيما الأسواق والزحمة، خوفاً من شماتة المجتمع والناس وعدم وجود مَن يعينه خلال النوبة أو الخوف من الزحمة التي تؤخّر وصوله الى الطوارئ، حتّى إنّ هناك مرضى يسجنون أنفسهم في بيوتهم سنوات طويلة ولا يخرجون منها خوفاً من النوبات».

الشفاء السريع

لا يزور المرضى الطبيب النفسي من تلقاء أنفسهم، بل يرسلهم طبيب الطوارئ بعد تكرار هذه الحالة وتأكيد فحوصاتهم من سلامتهم العضوية. وبعد التأكد من الاصابة، يلعب العلاج الشافي دوراً مهماً للتخلص من الهلع. ويوضح أبو زرعه أنّ «80 في المئة من المصابين، يعانون أيضاً من الكآبة المقنّعة، ما يحتّم معالجة المشكلتين بالدواء نفسه (مضادات الكآبة والقلق) إذ إنّنا نعتبر الكآبة مرضاً مكملاً لا مستقلاً، إضافةً الى العلاج المعرفي السلوكي الذي يحدّد الطبيب المعالج مدّتَه.

وهنا، من المهم أن يعرف المصابون أنّه يمكن الشفاء والتخلص من النوبات في اليوم نفسه من بدء العلاج، وتأمين عدم تكرارها مجدداً. ويراوح العلاج بين الـ3 أشهر والسنة، ولكننا نفضل استمراره لمدّة سنة للتأكد من عدم ظهور النوبات مستقبلاً، الأمر الذي لا يحصل إلّا نادراً خصوصاً مع تخطّي المريض الثلاثينات من عمره. وتجدر الاشارة، الى أنه من المهم تجنب المنبّهات كالكافيين وحبوب التنحيف التي يمكن أن تسبّب النوبات حتى للذين لا يعانون من هذه المشكلة».

ماذا إذا لم يتعالج المريض؟

يؤمّن العلاج الشفاء السريع من المشكلة، ولكن ماذا إذا لم يتعالج المريض؟ يجيب أبو زرعه «لا تُعتبر نوبات الهلع خطيرة أو مميتة لكنها مزعجة بعوارضها، وقد يؤدي عدم إدراك المريض لمشكلته، الى إعاقة في حياته الاجتماعية ومن ناحية الانتاج والعلاقات، خصوصاً أنّه يمكن أن يعيش حياة تجنّبية، فيسجن نفسه في منزله للحدّ من النوبات التي فعلاً سيقلّ حدوثها نسبةً لتواجده في العمل أو خلال قيادته لسيارته.

من جهة أخرى، في حال إستوعب المريض مشكلته بعد توجّهه عدداً من المرات الى الطوارئ، ولكنه لم يحبّذ العلاج، يمكنه أن يخلّص نفسه من النوبات من خلال إدارتها والتنفّس ببطء، لأنه كلّما زاد تنفّسه سرعةً، زادت معه حدّة العوارض. صحيح، أنّ إدراك الشخص لمرضه يخفف عليه حاجة التوجّه الى المستشفى، إلّا أنّ ذلك لا يحلّ المشكلة نهائياً.

ويلعب المحيط دوراً مهمّاً من ناحية التخفيف عن المريض، والابتعاد عن توجيه الملاحاظات السلبية له، مثلاً «شو بيك خوّيف، وبتضلّ عتلان همّ» لأنّ هذا الكلام يزيد من المشكلة دون أن يخفّف منها، ويشعره أنّه أضعف شخص في العائلة».

لبنان ونوبات الهلع

تكثر الأمراض النفسية التي يعاني منها مجتمعنا اللبناني، رغم عدم إقرار البعض بها خوفاً من وصمة العار غير المبرَّرة، والتي تدلّ على قلة الوعي والثقافة، لا سيما أنّ الصحة النفسية توازي أهمية الصحة العضوية بالنسبة للمجتمع ككلّ.

ويشير أبو زرعه الى أنّه «من المحتمل أن يكون عدد المصابين في لبنان، مرتفعاً أكثر منه في العالم العربي، وذلك نتيجة الحرب اللبنانية التي عاشها لبنان سابقاً، والأوضاع المجهولة المصير التي لا يزال يعيشها حتّى الآن، حيث لا يمكن للشخص السيطرة على أيّ شيء، ويمكن أن يموت في أيّ لحظة، أو أن يخسر وظيفته بين يوم وآخر. لذلك، يرتفع معدّل الاصابة ومصادر ومسبّبات الهلع، عند الأشخاص الذين لا يمكنهم التخطيط والسيطرة على مستقبلهم».
DOWNLOAD OUR MOBILE APP
X
Sign Up for our free daily newsletter
© 2019 Al Joumhouria, All Rights Reserved.