وجهة الداخل ليست معلومة، وسط مجموعة من الملفات المعقّدة والمجهولة مساراتها، ولا توجد أجوبة دقيقة حول مجموعة من الأسئلة التي تحاول ان تخترق الغموض المطبق على كل مجالات الرؤية، بحثاً عن أجوبة توضّح الصّورة وتبيّن الإتجاه الذي سيسلكه البلد أكان نحو برّ الأمان، او نحو السقوط في منحدرات ولا قيامة منها. الأسئلة تقارب كلّ الملفات، وتدور على ألسنة اللبنانيين، الذين يتساوون جميعاً في الحلم ولو بشيء بسيط من الأمان، وفي منسوب القلق الذي يعتريهم، من مفاجآت تُدخلهم في دهاليز مجهولة البدايات والنهايات.
من هو «راجح»؟
أول تلك الأسئلة يركّز على البحث عن هويّة «راجح» الذي ظهّر رأسه منذ فترة من العتمة، وأخذ يحرّك غرف التحريض والتخريب والترويج والاستهداف المباشر الشخصي والسياسي لمستويات رفيعة في الدولة سياسيّة ورسميّة، ومدنيّة وغير مدنيّة، والأهم هل انّ هذا الاستهداف موحى به من جهات خارجية، ام انّه تنفيس لحقد دفين في قلوب وعقول مجبولة بسوء النية؟
الحكومة: تخبّط
وثاني تلك الأسئلة يركّز على الحكومة، ومستقبلها وما إذا كانت ستستمر، بعد السقطة التي انحدرت اليها في فرض الرسوم والزيادات التي انعكست ارتفاعاً رهيباً في أسعار السلع والحاجيات، حيث يتعالى النقاش عن حراكات يجري التحضير لها ضدّ الحكومة، التي تعيش أصلاً حالة تخبّط وزاري لم تشهدها حكومة من قبل، والمثال الصارخ على ذلك، انّ مكونات سياسية ممثلة في الحكومة توافق في مجلس الوزراء عبر وزرائها على بنود، ثم هذه المكونات نفسها، تسارع إلى التهرّب من موافقتها، على ما جرى مع موافقة جهات سياسية وحزبية على الموازنة في مجلس الوزراء، ومعارضتهم لهذه الموازمة في مجلس النواب، وكذلك الامر بالنسبة إلى زيادة الرسوم على البنزين، التي تمت الموافقة عليها في مجلس الوزراء، سارعت جهات سياسية إلى الاعتراض على قرار الزيادة، متجاهلة انّ وزراءها في الحكومة وافقوا على هذا القرار؟
مخاطر أمنية
والسؤال المهمّ في هذه المرحلة، يدور حول الملف الأمني، في ظل الخطر المحدق به جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، والذي زاد بشكل كبير في الآونة الاخيرة، ربطاً بالملف الإقليمي وتصاعد وتيرة التوترات والاحتمالات الحربية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
وفي موازاة المجريات اليومية للعدوان الإسرائيلي المتواصل، بالغارات الجوية والاستباحة الفاضحة للسيادة اللبنانية عبر التحليق المتواصل للطيران الحربي والتجسسي في الأجواء اللبنانية، وتركّز بالأمس على علو منخفض في أجواء الضاحية الجنوبية.
شهداء وجرحى
واستهدفت الإعتداءات الإسرائيلية صباح أمس أطراف بلدة يارون في قضاء بنت جبيل، تلتها غارة بمسيّرة على حي لوبية في مخيم عين الحلوة ما أدّى إلى استشهاد حسين نمر وبلال الخطيب. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية، بأنّ «الهجوم على عناصر من «حماس» نفّذته سفن حربية».
وفي فترتي بعد الظهر والمساء، نُفّذت سلسلة غارات جوية في البقاع استهدفت مبنى كاملاً خلف القرض الحسن على اوتوستراد رياق بعلبك أدّت إلى تدميره، وتمنين التحتا وقصرنبا وجرود النبي شيت والشعرة.
وافادت المعلومات ان الاعتداءات في منطقة البقاع اسفرت عن عدد كبير من الضحايا، حيث احصت بعض التقديرات سقوط ١٠ شهداء وعدد كبير من الجرحى. ونقلت قناة «الجزيرة» عن مصدر أمني لبناني، بأن «مسؤولًا عسكريًا في حزب الله من ضمن ضحايا الغارات الإسرائيلية على البقاع».
وكل هذه التطورات تبقي باب الاحتمالات مفتوحاً، وخصوصاً في ظل ما ينشره الإعلام الإسرائيلي من تقارير في الآونة الاخيرة، والتي تؤشر إلى احتمال قيام إسرائيل بعدوان استباقي لاستهداف «حزب الله» في لبنان. وضمن هذا السياق، نقلت صحيفة «معاريف» العبرية عن مصدر عسكري قوله «إنّ لدى الجيش الإسرائيلي خططاً تشمل احتمال تنفيذ هجوم استباقي ضدّ «حزب الله».
وإذا كانت التقارير الإسرائيلية تربط الهجوم الإسرائيلي الاستباقي على لبنان، بالفشل المحتمل للمفاوضات بين واشنطن وطهران، ما يعني الانتقال إلى المواجهة الحربية، فإنّ أوساطاً ديبلوماسية غربية تنبّه إلى ما سمّتها «مخاطر جدّية تسود في الأجواء». وبحسب معلومات موثوقة لـ«الجمهورية»، انّ مسؤولاً أممياً قام بزيارة إلى إسرائيل في الفترة الاخيرة، وعاد بأجواء تصعيدية، ونقل إلى مستويات معنية ما يفيد بأنّ إسرائيل تتحرّك سياسياً وأمنياً في ما يشبه الاستنفار غير المعلن، والتحفز لاحتمالات حربية. وانّها تنظر بقلق إلى جبهة لبنان، ولذلك تكثف رصدها وضرباتها لـ«حزب الله» لإضعاف قدراته، ومنعه من الاستفادة من أية ظروف.
ونُقل عن المسؤول الأممي قوله، انّه سمع كلاماً مباشراً في إسرائيل، «من انّه إذا ما حصلت الضربة الأميركية لإيران، وهو أمر بات اكثر ترجيحاً، فإنّ الجيش الإسرائيلي سيردّ بقسوة كبيرة على لبنان إذا ما تدخّل «حزب الله» في المواجهة بين أميركا وإيران».
غموض انتخابي
على انّ السؤال المركزي في هذه المرحلة، هو هل ستجري الانتخابات النيابية في موعدها المقرّر في العاشر من شهر أيار المقبل؟
المواقف العلنية الصادرة عن أكثر من مستوى سياسي ورسمي، تؤكّد انّ الانتخابات النيابية حاصلة في الموعد المحدّد. في سباق محموم مع ما تبدو انّها نوايا خبيثة ترمي إلى تطيير الانتخابات.
ويؤكّد مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»، أنّه «لن يكون في مقدور أحد في الداخل او الخارج أن يعطّل الانتخابات ويمنع إجراءها في موعدها. الانتخابات ستجري في الموعد المحدّد، وعلى أساس القانون الانتخابي النافذ. ونقطة على السطر».
وعندما قيل للمسؤول الرفيع بأنّ هناك جواً في الحكومة يقول بإجراء الانتخابات وفقاً لروحية الرأي الذي أبدته هيئة الإستشارات والتشريع في وزراة العدل حول تصويت المغتربين لكل المجلس النيابي لتعذّر إقامة الدائرة 16 المتعلقة بالمقاعد الستة المخصصة للمغتربين، قال: «هذا الامر يشهرونه كسبب يستندون إليه لتطيير الانتخابات، هناك جهات عديدة في الحكومة تدفع في هذا الاتجاه، وهذا ليس سراً، كما انّ البعض مَن في الحكومة يدغدغهم التمديد للمجلس النيابي ويريدون البقاء في مناصبهم ومقاعدهم، ولكن التمديد لن يحصل، والحكومة لا تستطيع أن تتجاوز القانون النافذ، وملزمة بتطبيقه كما هو، وليس وفق شهوات ورغبات المزاج السياسي».
ورداً على سؤال عمّا إذا كانت عراقيل قد نشأت في طريق الانتخابات، قال: «بعض الجهات الداخلية او الخارجية قد لا تتردد في محاولة افتعال تعقيدات مانعة للانتخابات، على اعتبار انّ هذه الانتخابات قد لا تأتي بالنتيجة التي تريدها. وهذا احتمال غير مستبعد على الإطلاق. ولكن ما أخاف منه هو انّ هذا التهوّر بتعطيل الانتخابات في حال بات امراً واقعاً، قد يخلق واقعاً اكثر تعقيداً، يعني بصراحة بيخرب البلد».
طلب مرفوض وطعن
على أنّ اللافت للانتباه في السياق الانتخابي، هو عدم قبول وزارة الداخلية طلب الترشيح الذي تقدّم به الرئيس السابق للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم عباس فوازعن المقعد الشيعي في الدائرة 16، متذرعة بسبب تعذّر إقامة الدائرة. وأعلن فواز أنّه سيتقدّم بمراجعة طعن بقرار الداخلية رفض طلبه، أمام مجلس شورى الدولة. علماً انّ الوزارة في دعوتها الهيئات الناخبة حدّدت يوم الثالث من أيار المقبل موعداً لإجراء الانتخابات للمغتربين في الدائرة 16.
بري يلتقي نواب الحزب
في سياق متصل، الملف الانتخابي كان محور اللقاء في عين التينة امس، بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ووفد من نواب كتلة «الوفاء للمقاومة» برئاسة رئيسها النائب محمد رعد، الذي قال بعد اللقاء الذي تناول البحث فيه تطورات الأوضاع العامة وآخر المستجدات السياسية والميدانية وشؤوناً تشريعية إضافة لملف الانتخابات النيابية: «لقاؤنا مع دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري هو لقاء أولاً للتهنئة بحلول شهر رمضان المبارك، ولنتوجّه من هنا إلى كل اللبنانيين وإلى كل أهلنا وخصوصاً في الجنوب المقاوم وفي البقاع وفي كل المناطق التي يعاني فيها أهلنا، إما من التعنت والتغول الإسرائيليين، وإما من سوء إدارة شؤونهم الحياتية في هذا البلد».
اضاف: «كان اللقاء فرصة للتداول في الشؤون المحلية والإقليمية. وكانت وجهات النظر متطابقة تماماً كما هي العادة. وتوافقنا على أن يكون الثنائي الوطني هو المنصة التي تؤسس لوحدة وطنية لمواجهة كل التحدّيات، ولمواجهة كل المخاطر التي ينبغي أن يواجهها لبنان حين يُستهدف في سيادته وفي أمنه وإستقراره».
واكّد رعد «أننا حريصون على أمن واستقرار البلد وعلى سير الحياة الطبيعية فيه، كما نحن حريصون على مواجهة الإحتلال الصهيوني والعربدة الداعمة له، حتى يخرج من أرضنا ويعود أهلنا إلى قراهم ومدنهم وتستقر حياتهم في ظل وحدة وطنية، وفي ظل التفاف حول سلطة مركزية تحفظ السيادة في هذا البلد».
ورداً على سؤال حول الإنتخابات النيابية، قال: «موضوع الإنتخابات النيابية والمواقف التي تدور حولها، كان موقفناً متطابقاً تماماً، وسنخوض هذا الإستحقاق معاً في أي إتجاه كان».
سلام
على صعيد سياسي آخر، قال رئيس الحكومة نواف سلام خلال مؤتمر حول «المواطنية وسيادة الدولة خلال الواقع الراهن وآفاق المستقبل» أمس: «إنّ من الممكن أن ننتقل إلى العمل بنظام المجلسين المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، بحيث يتمّ حصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي ليؤمّن المشاركة الوطنية او بالأحرى المشاركة المواطنية». وأكّد سلام «أنّ علينا أن نعود إلى المادة 95 من الدستور، وأن نطبّقها بالكامل دون اجتزاء او تشويه».
واعتبر أنّ «إعاقة نمو المواطنة تقع مسؤوليتها على النظام السياسي الذي يرتكز على الطوائف ودورها ولو على حساب حقوق الأفراد». وقال: «أزمة المواطنة في لبنان تكمن إذاً في غياب الاعتراف السياسي الكامل بحقوق الفرد بالاستقلال عن انتمائه الطائفي».
كتلة «التنمية» تردّ
وردّت كتلة «التنمية والتحرير» على هذا الكلام عبر النائب قاسم هاشم الذي قال: «كلام رئيس الحكومة نواف سلام عن المادة 22 من الدستور للوصول إلى المواطنة الحقيقية وإبداء كل هذا الحرص والغيرة، كان يُفترض إعداد مشروع قانون انطلاقًا من المادة 22 من الدستور بكل ما تتضمنه من قانون انتخابات خارج القيد الطائفي المتزامن مع إنشاء مجلس للشيوخ، لإخراج لبنان من دائرة القوانين المذهبية والمناطقية، بدل التمسك بقانون انتخابات مسخ تشوبه كل الشوائب، وبدل التفتيش عن مشاريع واقتراحات منطلقها الإبقاء على قانون لم ولن يجلب إلّا مزيدًا من الانقسام والتوتر وزيادة منسوب الطائفية والمذهبية، في وقت أحوج ما يكون فيه وطننا إلى كل ما يجمع ويوحّد ويؤسس لوطن العدالة والمواطنة». ولفت إلى أنّ «كتلة «التنمية والتحرير» أدركت باكرًا أي مسار يُخرج لبنان من أزماته، فتقدّمت باقتراح قانون للانتخابات استنادًا وتأكيدًا على المادة 22 من الدستور، وما زال اليوم أمام اللجنة الفرعية لاقتراحات القوانين الانتخابية، حيث تعطّل عمل اللجنة، لأنّ من سيتحدث عن حماية لبنان والحرص عليه كان الأولى بهم مناقشة هذا الاقتراح وتفصيله على قياس الوطن، بعيدًا من المكاسب والحسابات الضيّقة ظنًا بإخلال التوازنات، واليوم علينا العودة إلى الأصول بدل التهم جزافًا».
أجواء حربية
إقليميا، برغم الأجواء الإيجابية التي شاعت بعد الجولة الثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، الّا انّ اللافت للانتباه في الساعات الأخيرة، كان الضخ المتوالي في الأجواء الإقليمية والدولية لاحتمالات حربية من مصادر متعددة أميركية وإسرائيلية، تشي بأنّ الحرب بين الولايات المتحدة وإيران واقعة لا محالة، وفي غضون ايام قليلة سقفها يوم السبت المقبل.