الفرق بين الجهل الفطري والغباء المُكتسب!
الفرق بين الجهل الفطري والغباء المُكتسب!
محمود القيسي
Wednesday, 18-Mar-2026 06:29

«أن تكون جاهلاً فأنت في بداية الطريق، أمّا أن تصير غبياً فأنتَ مَن اختار أن يتجاهل الطريق كلياً». برتراند راسل لا ينتقِد هنا ضُعف الفهم، بل الكسل العقلي والعداء في التفكير والانحياز المريح لما هو سهل وقابل للهضم.

«إذا دافعتَ عن بلدكَ، قالوا مخابرات، وإذا قلتَ كلمة طيِّبة عن بلدٍ شقيق قالوا مرتزَق. إذا انتقدتَ إيران والإخوان قالوا عميل. في المقابل، إذا هاجمتَ بلدك بنظرهم أنتَ وطني، وإذا تمنّيتَ الخراب لبلد عربي أنتَ شريف. إذا ساندتَ إيران والإخوان أنت مقاوم. هذا منطق أشخاص يشربون من مياه المجاري».

يولد البشر جهلاء وليسوا أغبياء؛ أن تكون غبياً يتطلّب الأمر تدريباً. لا يسخر راسل من الجهل، بل يُميِّز بين الجهل الطبيعي والبلاهة المصطنعة. الجهل فطرة، أول صفحة بيضاء تبدأ منها المعرفة. أمّا الغباء فهو حالة مكتسبة ناتجة من الإصرار على رفض التعلُّم والإيمان بما يُريح لا بما يُنير. أن تكون جاهلاً فأنتَ في بداية الطريق، أمّا أن تصير غبياً فأنتَ مَن اختار أن يتجاهل الطريق كلياً.

 

برتراند راسل لا ينتقِد هنا ضعف الفهم، بل الكسل العقلي والعداء في التفكير والإنحياز المريح لما هو سهل وقابل للهضم. الغباء، كما يُصوِّره، ليس نقصاً في الذكاء، بل إرادة مزمنة لتجنُّب استخدامه؛ ولهذا فإنّ بعض الناس لا يولدون أغبياء، بل يتدرّبون عليه يوماً بعد يوم حتى يتقنوه تماماً.

نعم، أن تكون جاهلاً فأنتَ في بداية الطريق، أمّا أن تصير غبياً فأنت مَن اختار أن يتجاهل الطريق كلياً. هذه العبارة من راسل طرح فكري عميق يُفرّق بين الجهل الفطري (نقص المعلومات) والغباء المكتسب (رفض التفكير). الغباء هنا هو اختيار طوعي للكسل العقلي، التعلّق بالسهل، والهروب من جهد المعرفة، وليس ضُعفاً في القدرات الذهنية. جوانب هذا الطرح هي الجهل كبداية؛ حالة طبيعية قابلة للعلاج بالتعلُّم والمعرفة. أمّا الغباء كخيار، فعندما يُصرّ الشخص على تجاهل الحقائق والإنحياز لما هو مريح، يصبح الغباء صفة مكتسبة.

 

الكسل العقلي هو العدو الحقيقي، إذ يُفضّل الإنسان أخذ المعلومات «جاهزة» وقابلة للهضم من دون تمحيص، بدلاً من بذل الجهد في التحليل. تحمُّل المسؤولية يعود إلى كل شخص؛ فهو المسؤول عن تدريب عقله ليصبح «غبياً» أو ليكون مفكّراً، بناءً على اختياراته اليومية. إنّها دعوة صريحة لنبذ التفكير السطحي ومحاربة الكسل العقلي.

يقول ميكيافيلي: «ليست الفضيلة في أن تختار المعركة، بل في أن تختار النتيجة». هذه الحكمة تحتاجها اليوم البشرية جمعاء، فهي ليست مجرّد حكمة من رائد المدرسة البراغماتية ومنظّر «الأمير» الذي يجمع بين دهاء الثعلب وقوّة الأسد، ليتجنّب الفخاخ ويرهب الذئاب في آنٍ واحد، بل هي مانيفستو الوجود السياسي للدول العاقلة. فشجاعة الدول بلا عقل انتحار مؤكّد، والدفاع المتهوِّر عن عناوين السيادة في زمن معقّد وخطير بلا بصيرة ليس سوى قفزة متهوِّرة نحو الهاوية.

 

إنّ أي نظام سياسي يحترم ويخاف على شعبه ليس هو الذي يستعرض عضلات بلاستيكية أمام ترسانة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الكاسرة والأسلحة الفتاكة، بل هو الذي يُقدِّس دم شعبه ويرفض تحويله إلى وقود حيَوي في محرّكات أيديولوجية يعلم يقيناً أنّها خاسرة.

مأساة العالم اليوم تكمن في الأنظمة والتنظيمات والميليشيات المقامرة التي تجرّ شعوبها بدم بارد نحو مذابح معلنة، متوَهّمةً أنّ الرومانسيات الثورية والخطابات الغيبية والشعارات البرّاقة يمكنها أن تصمد أمام لغة الأرقام وموازين القوى التي لا تحابي المغفّلين. إنّ مَن يتصوَّر إمكانية صمود شعارات لفظية أمام تحالفات عظمى لا يُعاني فقط من إنكار للواقع، بل من حمق مركَّب يستلذ برؤية الركام وتسمِيته نصراً.

 

الانتصار الحقيقي ليس في عدد الأيام التي صمدت فيها الجثة قبل التعفّن، بل في حجم ما وفّرته الدولة لمواطنيها من أمن واقتصاد وحياة. ما نراه في غزة ولبنان، وما تُقاد إليه إيران ووكلاؤها اليوم، ليس سوى تزييف للوعي، إذ تُسوَّق الهزيمة النكراء على أنّها صمود أسطوري وشجاعة دولة، في أكبر عملية بَيع للوهم شهدها التاريخ الحديث.

ما يجعل الدول قوية وناجحة واستثنائية هو أنّها تعرف كيف تتمَوضع، ولا تقتات على الحروب، ولا تبيع لشعبها سراب البطولات الخاسرة. نعم، التموضع العبقري؛ فهي تدرك أنّه ليس القوّة العسكرية الأعظم، بل مَن يمتلك سلطة العقل التي تجعله يحظى باحترام القوى العالمية.

 

الديبلوماسية تقوم على التبصُّر والواقعية الطموحة، إذ تُنتزع المكاسب بالذكاء لا بالضجيج الغوغائي. الدول الناجحة لا تتحرَّك تحت تأثير الانفعال أو بموجب نزوات عابرة، وإنّما بناءً على رؤية واضحة وقناعات راسخة. إنّ الدولة العاقلة هي التي ترفض أن تكون حطب حريق لغيرها، وتعرف أين تضع قدمَيها في عالم يحكمه المنطق، والقوّة، وقانون الغاب!

theme::common.loader_icon