في ظل تصاعد المواجهات العسكرية وتفاقم تداعياتها الإنسانية على لبنان، تكثّفت التحركات السياسية والدبلوماسية الدولية سعياً لاحتواء التصعيد وفتح الباب أمام وقف لإطلاق النار. في هذا الإطار، جاءت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بيروت، حيث دعا إلى وقف فوري للحرب، بالتزامن مع إطلاق نداء إنساني عاجل لدعم الشعب اللبناني، فيما حذّرت إسرائيل من تصعيد إضافي وهددت باستهداف البنى التحتية اللبنانية، ما يعكس خطورة المرحلة ودقة التطورات الميدانية.
في التفاصيل، أكّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، خلال استقباله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أنّه "يجب وقف الاعتداءات الاسرائيلية وتحقيق وقف إطلاق النار للبحث في الخطوات التالية وفق المبادرة التي أطلقها". وأشار عون "للاهتمام بشؤون النازحين الذين قارب عددهم اكثر من ٨٠٠ الف نسمة"، وقال: "نقدّر وقوف الأمم المتحدة إلى جانب لبنان ودعمها الدائم"، لافتاً إلى أنّ "استمرار الاعتداءات الاسرائيلية سوف يؤثر على الاستقرار في المنطقة كلها". وتابع: "أبديت استعدادي للتفاوض، لكن حتى الآن لم نتلق جواباً من الطرف الآخر. ونتطلع إلى دعم المجتمع الدولي للبنان في هذه المرحلة الدقيقة".
بدوره، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من قصر بعبدا: "أنا متضامن بشكل كامل مع الشعب اللبناني، وأدعو بقوّة حزب الله واسرائيل إلى وقف اطلاق النار ووقف الحرب". ودعا الى "تمهيد الطريق لايجاد حلّ يتيح الفرصة للبنان ليكون بلداً مستقلاً وله سيادة كاملة على أراضيه، حيث السلطة لها الحق الحصري بفرض الأمن". وختم: "الوقت لم يعد للمجموعات المسلحة، إنه وقت الدولة القوية".
إلى عين التينة، حيث استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والوفد المرافق. وتناول اللقاء تطورات الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والمستجدات السياسية والميدانية على ضوء تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وتداعياته على كافة المستويات لا سيما ملف النزوح وتهجير مئات آلاف اللبنانيين قسراً عن منازلهم إضافة لدور قوات اليونيفيل وما تتعرض له من إعتداءات إسرائيلية.
الرئيس بري جدد أمام غوتيرش التأكيد على "تمسك لبنان بالقرار الأممي 1701، والذي لا بديل عن قوات اليونيفيل لتطبيقه بمؤازرة الجيش اللبناني، داعياً إلى وجوب إلزام إسرائيل بوقف عدوانها وتطبيق إتفاق تشرين الثاني 2024".
وقال غوتيريش: "أن رسالتي واضحة للغاية، علينا أن نضع حداً لهذه الحرب، ويجب أن يحصل وقف اطلاق نار فوري، وأن دعوتي وندائي لكلا الطرفين، دعونا نطبق وقف اطلاق نار فوري ونوقف هذا العذاب الكبير للشعب اللبناني، ولنتأكد جميعنا أنه ضمن وقف اطلاق النار سيكون هنالك مفاوضات لضمان أن لبنان سيستعيد السيادة على أراضيه وأن يتم إحترام سيادته وفي نفس الوقت أن تتمكن الدولة اللبنانية بكامل مكوناتها أن تكون دولة قوية وتتمكن من ممارسة السيطرة على كل البلد".
وخلال مؤتمر إطلاق النداء الإنساني للبنان، أكد رئيس الحكومة نواف سلام، أن "لبنان لم يختر هذه الحرب، وهناك قرى وبلدات تفرغ بالكامل في الجنوب"، مشددًا على أن "الوقف الفوري لاطلاق النار ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة إنسانية ملحّة".
ودعا المجتمع الدولي الى "الوقوف الى جانب لبنان من خلال تحرك سياسي وانساني حاسم".
وأشار سلام الى أنه "لا مبرر لاحتجاز شعب بأكمله رهينة ولبنان ليس ساحة معركة".
وشدد على أن "الحكومة مصممة على استعادة سلطة الدولة اللبنانية على كامل اراضيها وحصر السلاح بيد الدولة وقد اتخذت خطوات حاسمة في هذا الاتجاه".
وأعلن غوتيريش: "يسرني أن انضم اليكم اليوم لإطلاق نداء انساني عاجل بقيمة 325 مليون دولار لدعم شعب لبنان"، على أن تُخصص لتوسيع "نطاق المساعدات المنقذة للحياة على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة، بما يشمل الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم والحماية وخدمات حيوية أخرى".
في المقابل، هدّد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس الحكومة اللبنانية، معتبراً أن ما يجري "ليس إلا البداية"، وأن الحكومة والدولة في لبنان "ستدفعان ثمناً باهظاً".
وقال كاتس إن "الدولة اللبنانية ستخسر أراضي، وسيتم استهداف البنى التحتية التي يستخدمها حزب الله"، مضيفاً أن إسرائيل "ستواصل ضرب البنى التحتية وستسيطر على أراضٍ إلى حين نزع سلاح حزب الله".
وأضاف :أن "الحكومة اللبنانية التي لم تفِ بالتزامها بنزع سلاح حزب الله ستدفع أثماناً متزايدة".
في هذا السياق، كتب المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على حسابه على منصّة "أكس": يعدّ استهداف جسر الزرارية على نهر الليطاني والذي استخدمه عناصر حزب الله للانتقال من شمال إلى جنوب لبنان والاستعداد للقتال في مواجهة قوات الجيش الإسرائيلي بمثابة رسالة إلى الدولة اللبنانية أيضًا مفادها أننا سنهاجم كل بنية تحتية يستخدمها حزب الله داخل لبنان لاستهداف دولة إسرائيل".
كما ألقى الجيش الإسرائيلي مناشير فوق مدينة بيروت بعد خرقه لجدار الصوت، وقد ورد في المنشور "أيها اللبنانيون، من أجل مصلحة الجميع من الافضل ألا تمتلئ هذه الصفحات بالكلمات. لذلك عليكم نزع سلاح حزب الله".
وبشأن إيران، اعلنت وزارة الخارجية ان القائم بأعمال السفارة الإيرانية توفيق صمدي خوشخو حضر إلى وزارة الخارجية، بناء على استدعاء الوزير يوسف رجي، وقابله الأمين العام للوزارة السفير عبد الستار عيسى، وواجهه بجملة من التساؤلات الجدية إزاء التصريحات الصادرة عن السفارة الإيرانية في لبنان ومندوب إيران لدى الأمم المتحدة، ولا سيما ادعاءهم أن الإيرانيين الأربعة الذين استُهدفوا في أحد فنادق منطقة الروشة يحملون صفة دبلوماسية وأن وجودهم على الأراضي اللبنانية كان بعلم وزارة الخارجية اللبنانية ومعرفتها، وهو ما تنفيه الوزارة نفياً قاطعاً وتعتبره مخالفاً للحقيقة.
وقدم الامين العام للقائم بالأعمال الإيراني سلسلة أمثلة تثبت عدم احترام ايران لقرارات الحكومة اللبنانية، وآخرها البيان الصادر عن "الحرس الثوري الايراني" الذي تحدث عن عمليات مشتركة مع "حزب الله". وطالب الأمين العام بردود خطية رسمية على هذا التساؤل وغيره من النقاط المثارة.
جنوباً، قام السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، بجولة تفقدية شملت عددا من البلدات المسيحية في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، في رسالة دعم معنوي للأهالي وتشجيعهم على الصمود في أرضهم. واستهل السفير البابوي جولته من بلدة ديرميماس، قبل أن ينتقل إلى القليعة، ثم جديدة مرجعيون وابل السقي، وصولا إلى راشيا الفخار وكوكبا.
وعبر السفير البابوي عن تأثره بصمود الأهالي، مؤكدا من القليعة أن "الناس هنا يتمتعون بشجاعة كبيرة"، مشددا على أن "أبناء هذه القرى يحتاجون إلى دعم معنوي وروح إيجابية لمواجهة الظروف الراهنة"، لافتا الى أن "هذا الدعم لا يقتصر على المسيحيين فحسب، بل يشمل جميع أبناء المنطقة". وأكد "وقوف الكنيسة إلى جانب اللبنانيين في هذه المرحلة الصعبة".
هذا وأعلن المركز الكاثوليكي للإعلام، في بيان، أنه "استقبل الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر في الفاتيكان، وفداً من مكتب التنسيق بين كنائس ودول البحر المتوسط برئاسة رئيس مجلس أساقفة فرنسا وراعي أبرشية مارساي الكاردينال جان مارك أڤلين الذي تناول أوضاع المكتب ودول البحر المتوسط والتحديات التي يواجهونها، خصوصا في موضوع التنشئة على السلام ومساعدة المهاجرين والنازحين في بلدانهم والعيش المشترك والأخوّة والتضامن على مختلف المستويات داخل الكنيسة وخارجها".
ولفت البيان الى أن "في كلامه عن لبنان، ركّز قداسته على أهمية بقاء الشبيبة في أرضهم وعيش القيم المسيحية بطريقة عملية بخاصة الرجاء والعمل على بناء مستقبل أفضل، قائلاً إنه في اتصالاته مع رؤساء الدول، الجميع أكد أهمية الحضور المسيحي في لبنان والشرق الأوسط وضرورة الحفاظ على هذا الدور، داعياً إلى وقف الحرب واعتماد لغة الحوار والمصالحة وبناء ثقافة السلام".
إقليمياً، أعلنت الرئاسة المصرية، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أدان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، استهداف إيران لدول الخليج إضافة إلى الأردن والعراق، مؤكدا رفض مصر لأي تصعيد من شأنه تهديد أمن واستقرار المنطقة. وتناول الرئيس المصري مع الرئيس الإيراني السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، مؤكدا استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة، مؤكدا ضرورة إحترام الكافة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلا عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
من جهته، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أن الهجوم الذي شنته طائرة مسيرة في شمال العراق على جنود فرنسيين "غير مقبول"، لافتا إلى أن موقف بلاده مما يجري في المنطقة "دفاعي".
وأوضح ماكرون خلال مؤتمر صحافي مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في باريس، أنه طلب إجراء تحليل عسكري شامل للهجوم. وأضاف أن موقف باريس دفاعي فقط، وليس ما يبرر مهاجمتها، وفق تعبيره.
توازياً، توعدت الولايات المتحدة بتصعيد عملياتها العسكرية ضد إيران، مؤكدة أن الضربات ستتواصل بوتيرة متزايدة، في إطار حملة تستهدف تقويض القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية الإيرانية.
وقال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، في كلمة، إن العمليات العسكرية الجارية ستشهد اليوم "أكبر عدد من الضربات على إيران منذ بدء الحرب"، مؤكدا أن واشنطن تعمل على تدمير منظومة الصناعات الدفاعية الإيرانية بالكامل.
كما أعلن هيغسيث أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي "مصاب ومن المرجح أن يكون مصابا بتشوهات".
وأشار هيغسيث إلى أن بلاده ستمنح "إيران خيار الاستسلام عبر المفاوضات"، كما أكد أن الولايات المتحدة "لا تستهدف المدنيين أما إيران فتستهدف المدنيين".
كما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن "القوات الأميركية سترافق السفن في مضيق هرمز، وسنضرب إيران بشدة إذا لزم الأمر".