هل نمنح العدوّ ما يشتهيه؟ أبعدوا الجيش عن وحول التجاذبات
هل نمنح العدوّ ما يشتهيه؟ أبعدوا الجيش عن وحول التجاذبات
الوزير القاضي محمد المرتضى
Thursday, 12-Mar-2026 07:04

ليس خافياً أنّ العدو، في كل ما يُخطّط له تجاه لبنان، لا يكتفي بما قد تُحققه الحروب أو الضغوط المباشرة. فالتجربة علّمته أنّ هذا البلد، على صغر حجمه وكثرة أزماته، يملك قدرةً لافتةً على الصمود حين تتماسك عناصر قوّته الأساسية. ولذلك كان رهانه الدائم على ما هو أخطر من العدوان نفسه: على الإنقسام الداخلي الذي يُفتّت هذه القوّة ويحوّلها إلى ضعف.

في قلب هذه المعادلة، تبقى المؤسسة العسكرية واحدةً من أهم ركائز الدولة ومعاني وحدتها. فالجيش اللبناني ليس مجرّد جهاز أمني أو قوّة عسكرية فحسب، بل هو التعبير الأوضح عن فكرة الدولة الجامعة التي تتجاوز الطوائف والانقسامات، وتختصر في بُنْيتها معنى الوطن الواحد.

 

ولهذا تحديداً يعمل العدوّ على أن يبقى الجيش قاصراً على مستوى القدرات ويشتهي أيضاً - وهذا هو الأخطر - أن يصير الجيش مشرذماً غارقاً في وحول التجاذبات الداخلية، متنازع الولاء بين الاصطفافات. فجيشٌ كهذا يُصبح مرآةً لانقسام الوطن، وعندها يتحقق للعدو ما تعجز عنه حروبه وعدوانه.

 

إنّ الزجّ بالمؤسسة العسكرية في صراعات الداخل، أو محاولة توظيفها لخدمة أجندات وتوجّهات وتوجيهات - بغضّ النظر عن صوابها أو خطئها - لا يُضعف الجيش وحده، بل يُضعف الدولة نفسها. فالجيش هو نقطة قوّة السلطة، ووهنه يورث الوهن للنظام والشعب والكيان معاً. وحين تهتز هذه المؤسسة، أو تُستدرج إلى الإنقسام، يبدأ الخطر الحقيقي على الدولة، لأنّ الفوضى حينها تجد طريقها سريعاً إلى كل شيء.

 

إنّ تحصين الجيش وإبقائه فوق التجاذبات ليس ترفاً سياسياً ولا مطلباً عاطفياً، بل ضرورة وطنية تمليها مصلحة لبنان وبقاء دولته. فالدول التي تفقد جيشها الموحَّد تفقد معه قدرتها على حماية داخلها، وتتحوّل سريعاً إلى ساحاتٍ مفتوحة للصراعات والتدخّلات.

 

ومن هنا، فإنّ المسؤولية تقع على الجميع: مسؤولين، وقوى سياسية، ونخب إعلامية، وكل مَن يشارك في صناعة الرأي العام. فالكلمة التي تُقال في لحظة خصومة قد تتحوّل إلى معوَلٍ في جدار المؤسسة، والمزايدة التي تُطلق في سجالٍ عابر قد تفتح ثغرة يتسلّل منها الخطر إلى الدولة نفسها.

 

أيّها اللبنانيون على مختلف توجّهاتكم ورأيكم بالحرب الحالية، احفظوا أنفسكم ولبنان بحفظ الجيش، وجنّبوه السقوط في وحول التجاذبات والمهاترات. صونوه من العبث حمايةً للنظام والشعب والكيان في آنٍ واحد. لأنّ الجيش حين يبقى موحّداً يبقى الوطن قابلاً للحياة، أمّا حين يُستدرج إلى الانقسام، فهناك فقط يبدأ العدوّ بقطف ما كان يشتهيه... اللهمّ نجّي لبنان!

theme::common.loader_icon