إذا كانت أجواء جلسة مجلس النواب أمس اتسمت بالهدوء بصورة عامة، الّا انّها كانت أسيرة في بعض جوانبها لمنطق الشعبويات والمزايدات الذي عبّرت عنه بصراحة فاقعة جهات نيابية مختلفة، غلب عليها الطابع السيادي والتغييري، حيث تبرأت من هذا التمديد وظهّرت نفسها حريصة على اللعبة الديموقراطية، فيما هذه الجهات نفسها كانت عشية الجلسة تقارب التمديد كإجراء لا بدّ منه في ظلّ الظروف القاهرة التي يمرّ فيها البلد.
وقمة المزايدة تجلّت في تسابق هؤلاء على القنوات والشاشات لمخاطبة الجمهور وإعلان التبرّؤ من التمديد. عملياً، صار التمديد أمراً واقعاً، الّا إذا طرأت حوله امور أخرى، كمثل أن تبادر جهات نيابية إلى الطعن بقانون التمديد أمام المجلس الدستوري. مع الإشارة إلى انّ تقديم الطعن ليس مستبعداً، ولكن ليس الإمكان مسبقاً تقدير ما سيكون عليه قرار المجلس الدستوري إن تلقّى مراجعة طعن في هذا الشأن. لكن النتيجة الفورية لإقرار التمديد انّه فتح الحلبة السياسية الداخلية على ما يُسمّى «سجال التمديد» بلا أي طائل في ظرف أمني هو الأصعب على لبنان.
أمّا لماذا التمديد للمجلس النيابي لمدة سنتين، فتورد مصادر نيابية مسؤولة عبر «الجمهورية» الملاحظات التالية:
اولاً، المسار الأفضل هو إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لكن الظروف التي نشأت حالت دون ذلك.
ثانياً، التمديد هو آخر الدواء بعلم الجميع من دون استثناء وبموافقة الجميع من دون استثناء، لا احد يستطيع ان ينفي ذلك، كلهم وافقوا على التمديد، وتوفّر إجماع حوله، وتجلّى هذا الإجماع مع ضيق الوقت الذي حكم الجميع، حيث انّ الأحداث الأمنية طرأت على مسافة ايام قليلة من انتهاء مهلة تقديم الترشيحات (التي تنتهي اليوم في 10 آذار). وكدليل واضح على هذا الإجماع هي جملة الطروحات التي قُدّمت للتمديد؛ بين اربعة اشهر، وتمديد لستة اشهر، وتمديد لتسعة اشهر، وتمديد لسنة، وتمديد لسنة ونصف، وحتى اقتراحات للتمديد لأكثر من سنتين، وتبعاً لذلك، لا يستطيع أيّ طرف أن يصور انّ نواباً أخطأوا فيما هو يبرئ نفسه مما كان يسعى اليه، ويزايد سياسياً وشعبوياً. فهل كان هذا الطرف اياً كان، سيزايد وسيتحفظ فيما لو أقرّ المجلس اقتراح التمديد الذي يريده؟
ثالثاً، انّ التمديد سنتين، لا يعني بشكلّ من الأشكال انّ المجلس شهد تمديداً لأجل التمديد، ولا يجير بشكل من الأشكال اتهام النواب بأنّهم مدّدوا لأنفسهم، هناك ظرف قاهر فرض نفسه، وكان لا بدّ من إجراء إنقاذي، والمجلس بادر إلى هذا الإجراء وفق أولوية وضرورة انتظام عمل المؤسسة التشريعية. اما لماذا التمديد سنتين، فلأنّه ليس معلوماً متى تتوقف الحرب التي تشي مجرياتها بأنّها مفتوحة لأمد غير معلوم، فربما شهر وربما لشهرين وربما أكثر. ثم انّه بعد انتهاء الحرب، فمن يقدّر ما سيكون عليه الحال، ومن يقدّر أي واقع سيكون آنذاك، بل من يقدّر حجم التداعيات والأضرار التي قد تنجم عنها، خصوصاً في المناطق المستهدفة، ما يعطي الأولوية التفرّغ لمواكبة هذه التداعيات ومحاولة احتوائها، وهذا قد يتطلّب أشهراً على الاقل.
رابعاً، التمديد لسنتين هو الخيار الأفضل، ولا يستدعي أن يُثار حوله ضجيج وافتعالات في غير زمانها ومكانها. خصوصاً انّ الحرب إن انتهت في وقت قريب، فساعتئذ، ليس ما يمنع على الإطلاق انعقاد الهيئة العامة للمجلس، وإقرار تقصير تمديد السنتين، وتنقية القانون الانتخابي من الشوائب التي تعتريه، وتحديد موعد جديد لإجراء الانتخابات.
خامساً، ما يبعث على الأسف، هو الصخب المفتعل من أطراف تفتش عن فرصة للمناكدة والمكايدة، والمؤسف اكثر ان يشارك في الجو الاعتراضي وإطلاق المحاضرات بالعفة والحرص على العملية الديموقراطية، جهات نيابية سيادية وغير سيادية كانت تتوسّل التمديد سراً وعلناً، لأنّها من جهة كانت متيقنة أن لا مكان لها في المجلس النيابي المقبل، حتى انّ بعضها، خلال الفترة التحضيرية لانتخابات 10 ايار، لم يجد حليفاً يشاركه، ولا لائحة تؤويه.