خطتها أمام التحدّيات: أسئلة ووقائع برسم الحكومة!
خطتها أمام التحدّيات: أسئلة ووقائع برسم الحكومة!
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Wednesday, 04-Mar-2026 07:08

في كل مرّة يكون لبنان أمام امتحان صعب يُطرَح السؤال: أين الجيش؟ وما هي المهمّات التي ستُلقى على عاتقه؟ وكان الجيش ينجح بإمكاناته المتواضعة من إنجاز ما يُعهَد إليه، على رغم من «التقتير» عليه، ومنحه دعماً لا يتخطّى «الزيح» على طريقة: «ممنوع أن تجوع، لكن أيضاً ممنوع عليك أن تشبع».

لقد أدّى الجيش اللبناني دوره على أتمّ وجه في منطقة جنوب الليطاني، وسقط له شهداء وجرحى، واكتشف أنفاقاً ومستودعات وصادر أسلحة وذخائر، وتأكّد - خلال انتشاره في هذه المنطقة - من خلوّها من مقاتلي «حزب الله» أو أي وجود مسلّح لبناني أو فلسطيني. ومع ذلك لم ينجُ من التصويب ممَّن يُريده أن يستعجل الخطى، وأن يحقق ما لا يمكن تحقيقه لضعف الوسائل والأدوات، وكأنّ المطلوب أن يقوم بـ«دعسة ناقصة» وحرق المراحل. وترافق هذا الضغط أحياناً مع مواقف فجّة صدرت من أبرز المقرّبين من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، السيناتور ليندسي غراهام، تسبَّبت بإلغاء زيارة كان يعتزم قائد الجيش العماد رودولف هيكل القيام بها إلى واشنطن. على أنّ غراهام لم «يبخَل» بهذه المواقف عندما استقبل هيكل أثناء الزيارة التي قام بها إلى العاصمة الأميركية.

 

الواضح أنّ هناك مقاربتَين مختلفتَين من حيث الطريقة والتوقيت، بين الطاقم الحكومي المدني المستعجل لإبراز حُسن نياته أمام الولايات المتحدة، والمجموعة الأوروبية والدول العربية وسائر الأسرة الدولية، تجاه موضوع بسط الدولة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيَد الدولة، وبين قيادة الجيش التي لا تقلّ حرصاً عن الحكومة في تنفيذ ما هو مطلوب منها في شمال الليطاني، والاستحواذ على ترسانة «حزب الله» في هذه المنطقة، بغرض أن يكون كل السلاح في لبنان بعهدة الشرعية. والجيش أدرى بـ«شعاب» البلاد، ويدرك طبيعة الأرض ويعرف توقيت العملية التي يتعيّن عليه الإضطلاع بها لتحقيق الهدف المرسوم، من دون أن يؤدّي ذلك إلى تطوُّرات تفرز صداماً أهلياً، قد يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء. ويذكر من عاصر الحرب اللبنانية في العام 1975، وحرب الجبل وأحداث الضاحية العام 1983، كيف تفكّك الجيش واستحال جيوشاً وألوية طائفية، قبل أن يتوحّد مع قائد الجيش الأسبق العماد إميل لحود بعد الثالث عشر من تشرين الأول 1990 إثر الإطاحة بالعماد ميشال عون ومغادرته قصر بعبدا. مع أنّ ظروف اليوم تختلف إلى حدّ بعيد عن ظروف الأمس في غير مجال.

 

إنّ ما حصل ليل الأحد-الاثنين في الجنوب كان مغامرة مكلفة للبنان والجنوب والضاحية والبقاع، وكان يمكن لـ«حزب الله» اجتنابها، لأنّ مردودها السياسي والعسكري لم يكن بحجم الكارثة التي حلّت ببيئته، وأنّ قرارات مجلس الوزراء جاءت لتُترجِم خطورة ما يواجهه لبنان، وكانت رسالة موجّهة إلى الخارج، بأنّ الدولة على التزامها بالقرار الرقم 1701، واتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، وأنّها جادة في حصر السلاح بيَدها، وتضغط على الحزب لتسليمه، وحمله على التقيُّد بما تعهّد به وشارك في الحكومة على أساسه. وهي نجحت في توفير تأييد شبه جماعي لما صدر عنها من قرارات، ولعلّ التطوّر البارز في هذا الصدد تصويت وزيرَي «حركة أمل» خلافاً لموقف نظيريهما وزيرَي «حزب الله». ويعكس ذلك رفض الرئيس نبيه بري لما حدث، وعدم علمه بنية الحزب الإقدام على مغامرته التي كان سعى لمنعها لو كان في جوّها. على أنّ موقف بري الداعم لرئيس الجمهورية وقرارات الحكومة يأتي من باب محاولة احتواء التصعيد في كل الاتجاهات، خصوصاً أنّه لم يكن للعملية التي تبنّاها الحزب أي مردود سياسي أو عسكري أو أمني، بل طاولت بيئته الشيعية، وأعطت إسرائيل ذريعة لتواصل خطتها القديمة، وهي إفراغ الجنوب من ناسه. وربما عودة الاجتياح الواسع.

 

ولوضع الأمور في نصابها، وليس تبريراً - لا بُدّ من التذكير بأنّ إسرائيل تتحمَّل مسؤولية كبرى في بقاء الوضع اللبناني متفجّراً، وذلك أنّها لم تلتزم بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701، واتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان الذي كان يفترض تطبيقه فجر السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، ولم تحترم ما تعهّدت به وواصلت غاراتها الجوية وقصفها البحري وعملياتها البرية، عدا احتلالها المواقع الخمسة في الجنوب، وتدمير مدنه وبلداته وقراه وضرب مؤسساته، وإحراق أرضه وتسميم تربتها، موقعةً ما يناهز الخمسمائة قتيل وألف وخمسمائة جريح، ومدمِّرة آلاف المنازل والمؤسسات، وذلك قبل الخسائر البشرية والمادية التي أوقعتها في الأيام الثلاثة الأخيرة.

 

بطبيعة الحال، فإنّ الحكومة والجيش والناس المنكوبين في خندق واحد، وأنّ واقع الأمر يقضي اجتناب التوتر والابتعاد عن تسجيل المواقف واختلاق التبريرات، والعمل على إيجاد مساحة مشتركة تُتيح الاتفاق على صيغ تُعجِّل في تطبيق الاتفاقات السارية، وما اتُفِق عليه في حكومة الرئيس نواف سلام لدى تشكيلها، والتي على أساسها تمثل «حزب الله» في الحكومة بوزيرَين. وإنّ الحكومة غير معفاة من مواصلة العمل في كل الاتجاهات، لحمل إسرائيل على الرضوخ والتوقف عن الإعتداء الدائم على لبنان، بذريعة ومن دون ذريعة. فهي ليست الحمل الوديع، وإنّ أنيابها أشدّ فتكاً من تلك التي للذئب.

theme::common.loader_icon