عندما تُعطي هيئة التشريع والاستشارات الحق للحكومة بتجاوز القانون
عندما تُعطي هيئة التشريع والاستشارات الحق للحكومة بتجاوز القانون
د. سليم الزيبق
Wednesday, 04-Mar-2026 06:49

ليس من المبالغة بمكان القول إنّ قانون الانتخابات النيابية تَحوَّل الى ساحة صراع تحتل، منذ فترة ليست بالوجيزة، المرتبة الثانية من اهتمام الرأي العام بعد قضية حصر السلاح بيَد الدولة. فبعد «الجولة» النيابية التي استعُملت فيها شتى أنواع «الأسلحة» البرلمانية من عرائض واقتراحات ومشاريع قوانين مُعجّلة ومُعجّلة مكرّرة، وتعطيل جلسات، جاءت «الجولة» القانونية التي دشّنها رأي هيئة التشريع والاستشارات غير الملزم للحكومة. بتاريخ 11/2/2026 تقدّم وزير الداخلية بطلب استشارة إلى هيئة التشريع والاستشارات في مسألتَين قانونيّتَين:

المسألة الأولى تتعلق بإمكانية انتخاب غير المقيمين المسجّلين خارج الأراضي اللبنانية... للمقاعد النيابية الـ128، وذلك في ظل عدم إقرار النصوص التطبيقية المتعلقة بانتخاب هؤلاء للنواب الستة ضمن إطار الدائرة 16.

أمّا المسالة الثانية، فتتعلّق بمعرفة ما إذا كان يحق لهؤلاء، في حال كان الجواب عن السؤال الأول سلبياً، الاقتراع في لبنان بعد سقوط حقهم بذلك بنتيجة تسجيل أسمائهم في السفارات والقنصليات تطبيقاً للمادتَين 113 و114 من القانون رقم 44/2017.

 

في 13/2/2026، أي في مهلة قياسية غير مسبوقة لم تتجاوز 48 ساعة! جاء ردّ هيئة التشريع المؤلّف من 18 صفحة على النحو الآتي: «إنّ عدم إقرار النصوص القانونية اللازمة للمقاعد الستة المخصَّصة للمرشحين غير المقيمين (المادة 112) لا يُشكّل استحالة قانونية تحول دون تطبيق سائر أحكام الفصل الحادي عشر (المخصَّص لغير المقيمين) من القانون 44 /2017... التي لا تتعارض مع استحالة تطبيق المادة 112، تماماً كما حصل خلال انتخابات العامَين 2018 و2022، على أن يقوم الناخبون غير المقيمين بالإقتراع للمقاعد النيابية الـ128». بشكل مختصر، بالنسبة لهيئة التشريع، إنّ تخلّف الحكومة عن اتخاذ المراسيم التطبيقية للمادة 112، المتعلّقة بالمقاعد الستة المخصّصة لغير المقيمين، لا يشكّل استحالة قانونية لاقتراع هؤلاء في الخارج لانتخاب نواب الداخل وفق القانون الانتخابي الحالي. وعليه، ومع هذا الجواب الإيجابي عن السؤال الأول يصبح السؤال الثاني بلا إجابة، للوصول إلى هذه النتيجة اعتمدت الهيئة على ثلاث ركائز:

 

1 - إنّ حق الاقتراع في الخارج لغير المقيمين هو حق «دستوري».

2 - إنّ تخلّف الحكومة عن اتخاذ المراسيم التطبيقية الضرورية لتطبيق القانون، يُعطيها الحق في التشريع نيابة عن البرلمان.

3 - إنّ النصوص المتعلقة باقتراع المغتربين قابلة للتجزئة.

 

في دستورية حق الاقتراع في الخارج لغير المقيمين

 

انطلقت هيئة التشريع من أنّ الدستور ينص في المادة 7 منه على تمتُّع اللبنانيِّين «بالحقوق المدنية والسياسية... دونما فرق بينهم»، وفي الفقرة «ج» من مقدّمته على «المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز أو تفضيل». علاوةً على ذلك، أشارت الهيئة إلى أنّ مقدّمة الدستور، التي تشكّل بحسب اجتهاد المجلس الدستوري، جزء لا يتجزّأ منه وتتمتّع بذات القيمة الدستورية، تُعلن في الفقرة (ب) أنّ لبنان مُلتزم مواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، لا سيما العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص في المادة 25 - (b) منه على أنّ «لكل مواطن الحق بأن يقترع أو بأن يكون منتخباً خلال انتخابات دورية، نزيهة...»، وأنّه لا يمكن الحدّ من هذا الحق إلّا... بوجود خطر استثنائي يهدِّد وجود الأمة (المادة 4 من العهد الدولي).

 

إستناداً إلى ما تقدَّم، اعتبرت هيئة التشريع أنّ عدم إقرار النصوص القانونية اللازمة للمقاعد الستة المخصّصة للمرشحين غير المقيمين لا يمكن، بأي حال من الأحوال وتحت أي ذريعة، أن يؤدّي إلى إسقاط وحرمان غير المقيمين من حقهم الدستوري في انتخاب نواب الداخل.

إنّ القول بأنّ اللبنانيِّين غير المقيمين يتمتعون بحق «دستوري» في الإقتراع في الخارج لانتخاب نواب الداخل يشكّل مغالطة قانونية، إذ لا يوجد في الدستور اللبناني، كما في المعاهدات الدولية، ولا سيما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أي نص يُعلن صراحة هذا الحق لغير المقيمين. صحيح أنّ الدستور ينص في المادة 21 منه على أنّ «لكل لبناني بلغ السن القانونية حق الاقتراع»، من دون التمييز بين مقيم وغير مقيم، غير أنّ هذا الحق، بمعزل عن قانون يحدِّد آليات ممارسته وتفاصيل تطبيقه، يبقى مبدأ عاماً غير قابل للتطبيق المباشر (application directe) لكونه غير مُحدَّد، ولا يُبيِّن، حتى بالنسبة للمقيمين، كيفية ممارسة هذا الاقتراع.

 

(Cf. Mélanie TRENBACH, les normes non directement applicables en droit public français, thèse Strasbourg, 2012; Cf. aussi; Michel VERPEAUX :La valeur constitutionnelle du droit au travail, le Genre humain, 2002/2 N° 38-39, éd. Le Seuil)

بالنسبة إلى غير المقيمين، فإنّ الحق في الاقتراع في الخارج لانتخاب ممثليهم قد جرى الإعتراف به للمرّة الأولى بموجب القانون رقم 44/2017 الذي حدَّد أيضاً، وبالتفصيل، شروط هذا الحق وكيفية ممارسته، وذلك من خلال تخصيصه لهذه الآلية الفصل الـ11، الذي يضمّ 13 مادة والمعَنوَن «في اقتراع اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية».

 

فبعد أن أعلنت المادة 111 من القانون أنّه «يحق لكل لبناني غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يُمارس حق الاقتراع في مراكز انتخابية في السفارات أو القنصليات أو في أماكن أخرى تُحدِّدها الوزارة...»، أكّدت المادة 112 «أنّ المقاعد المخصَّصة في مجلس النواب لغير المقيمين هي 6، تُحدَّد بالتساوي بين المسلمين والمسيحيِّين... وبين القارات الست». يتضح ممّا تقدَّم أنّه، في الوقت الذي يعترف القانون رقم 44/2017 لغير المقيمين بحق الاقتراع في الخارج لانتخاب 6 نواب، تُفتي هيئة التشريع بأنّ لا شيء يمنع من أن يقترع هؤلاء في الخارج لانتخاب نواب الداخل، وبذلك تسمح الهيئة للحكومة بأن تُبدّل آلية انتخاب بأخرى من دون أي تدخّل من قِبل السلطة التشريعية.

 

في انعكاسات تخلُّف الحكومة عن القيام بدورها في تنفيذ القوانين

انطلاقاً من تعبير القانوني الشهير Portalis، «لا ينبغي أن يكون القانون ثرثاراً»، (La loi ne doit pas être bavarde). تحرص السلطة التشريعية على أن تبقى القواعد القانونية عامة، مُقتضبة وواضحة، تاركة للسلطة التنفيذية مهمّة الدخول في التفاصيل عن طريق اتخاذ النصوص التطبيقية، التي بدونها لا يدخل القانون، أو بعض مواده على الأقل، حيّز التنفيذ. فمن النادر أن يخلو قانون من مادة أخيرة تحمل الصيغة الكلاسيكية: «تُحدَّد دقائق هذا القانون بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء أو بقرارات وزارية». في ما يتعلّق بموضوعنا، تنصّ المادة 123 من القانون رقم 44/2017 على أن تُنشَأ لجنة مشتركة من وزارة الداخلية ووزارة الخارجية بناءً على قرار يصدر عن الوزيرَين، تكون مهمّتهما تطبيق دقائق أحكام الفصل المخصَّص لاقتراع غير المقيمين على الأراضي اللبنانية لانتخاب النواب الستة. أمّا المادة 124 من القانون عينه، فتنص على أن تحدَّد دقائق تطبيق هذا القانون بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثَين بناءً على اقتراح وزير الداخلية.

 

في كتابه الموجّه إلى هيئة التشريع يستشهد وزير الداخلية بهاتَين المادتَين، ويشير إلى أنّ وزارة الداخلية تقدّمت من الأمانة العامة لمجلس الوزراء باقتراح خَلُص إلى أنّ تنظيم الانتخابات النيابية على أساس تخصيص 6 مقاعد لغير المقيمين «يتطلّب تدخُّلاً تشريعياً». إنّ هذا الموقف الصادر عن مجلس الوزراء، الذي أيّدته هيئة التشريع، ولو بصورة غير مباشرة، يتناقض كلياً مع آخر ما توصّل إليه الاجتهاد الإداري، لاسيما اجتهاد مجلس الشورى الفرنسي، في رقابته على أعمال السلطة التنفيذية. فبالنسبة للقاضي الإداري الفرنسي، إنّ ممارسة السلطة التنظيمية لا تقتصر على الحق، بل تشمل أيضاً الالتزام باتخاذ التدابير التي يقتضيها بالضرورة تطبيق القانون، وذلك ضمن مهلة معقولة.

 

(L’exercice du pouvoir réglementaire comporte non seulement le droit, mais aussi l’obligation de prendre dans un délai raisonnable, les mesures qu›implique l›application de la loi; voir C.E. 28 juillet 2000, Assoc. Fr. nature environnement, N° 204024)

بمعنى أنّه لا يجوز للسلطة الإدارية أن تمتنع، تحت أيّ حجة كانت، عن اتخاذ النصوص التطبيقية، لأنّ ذلك يعرّض قرارها للإبطال، ويُعطي الحق بالمطالبة بالتعويض في حال نشوء أضرار.

 

2021, N° 441 664; (Voir, C.E., 27 mai C.E., 22/10/2014, N° 36 464; sur l’ensemble de cette question, cf. Jean Waline, Droit administratif, Dalloz, 26 édition, 2016, p.331 et s.)

وهكذا، وبدل أن تستأنس الهيئة بهذا الاجتهاد، منحت السلطة التنفيذية حقّ تعليق العمل بالنصوص القانونية التي امتنعت عن تطبيقها باستنكافها عن اتخاذ المراسيم التطبيقية الضرورية لنفاذها.

 

في قابلية النصوص المتعلقة باقتراع غير المقيمين للتجزئة

إنّ المنطق الذي اعتمدته الهيئة لتبرير حق غير المقيمين في الإقتراع في الخارج لانتخاب نواب الداخل، أي بمعزل عن الدائرة 16، ينطلق من فرضية قابلية المواد المتعلقة باقتراع هؤلاء، أي مواد الفصل 11 من القانون، للتجزئة. فبالنسبة للهيئة، إنّ المادة 111 من القانون التي أعلنت «حق كل لبناني غير مقيم بالاقتراع» في السفارات والقنصليات، قابلة للتطبيق بمعزل عن بقية مواد الفصل 11 المتعلقة بالدائرة 16، وخصوصاً المادة 112 منه.

 

صحيح أنّه من المُسلَّم به فقهاً واجتهاداً، كما أكّدت ذلك هيئة التشريع، أنّ القوانين قابلة للتجزئة، بمعنى أنّ إبطال أو تعذُّر تطبيق بعض أحكام القانون لا يستتبع حكماً سقوط القانون بكامله، ما لم يكن الترابط بين أحكامه ترابطاً عضوياً لا يقبل التجزئة. غير أنّ الهيئة ارتأت إمكان الفصل بين المادة 111 التي تعلن حق الاقتراع لغير المقيمين، وبين سائر مواد الفصل 11 التي تُنظّم شروط وآليات ممارسة هذا الحق، مُعتبرةً أنّه لا يوجد أي ترابط عضوي بين الحق وآليات ممارسته.

 

إلّا أنّ هذا الموقف يتعارض مع الاتجاه المستقر للاجتهاد الفرنسي، الذي يُقرّ بعدم قابلية الفصل بين الحق وآليات ممارساته. فبالنسبة للاجتهاد الدستوري الفرنسي إنّ الحق ينبغي ألّا يُعلَن فقط بل يحتاج إلى قوانين تطبّقه بشكل فعّال، وإنّ النص الذي يُعلِن حقاً غير قابل للفصل عن النصوص التي تضع آلية تطبيقه، إذا كان الفصل يؤدّي إلى إفراغه من مضمونه أو يحدّ من فعاليّته أو من نطاقه. ثم أليست هذه مهمّة المجالس الدستورية في رقابتها على القوانين التي تنظّم ممارسة الحقوق والحرّيات الدستورية؟ فوفقاً لاجتهاد مستقر للمجلس الدستوري الفرنسي، إنّ حرّية المشرّع في إلغاء القوانين لا يمكن أن تؤدّي إلى تجريد الحقوق ذات القيمة الدستورية من الضمانات القانونية التي تكفلها.

 

(Cf. C.C. N°86- 210, DC du 29 juillet 1982) Cf. aussi, Dominique Rousseau, Droit du contentieux constitutionnel, Montchrestien, 7e édition, p .409 et s.

لدعم موقفها المتعلق بإمكان الفصل بين المادة 111 التي تُعلن الحق في الاقتراع لغير المقيمين وبقية النصوص المتعلقة بالدائرة 16، استندت الهيئة إلى أنّ المُشرّع، سواء في انتخابات سنة 2018 أو تلك التي حصلت سنة 2022، لم يتطرّق إلى المادة 111 ولم يُعلِّق العمل بها، بل اقتصر على تعليق العمل بسائر النصوص التي تتعلّق بالدائرة 16، مُعتبرةً أنّ ذلك يؤكّد قابلية المادة 111 للتطبيق بمعزل عن المادة 112. غير أنّ الهيئة أغفلت أنّ القواعد المتعلّقة بقابلية النصوص للتجزئة هي قواعد اجتهادية. أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّ قراءة متأنّية لكتاب وزير الداخلية ولردّ الهيئة عليه، تُظهر بوضوح أنّ جواب الهيئة يَرِد، في جوهره، في طيات كتاب الوزير، الأمر الذي يدل إلى أنّ الحكومة تميل إلى اعتماد رأي الهيئة، على رغم من عدم إلزاميته. كذلك لا يسعنا إلّا أن نستغرب التناقض الذي وقعت فيه الهيئة، إذ من جهة تحرص على التأكيد على أنّ «تعليق العمل بالدائرة 16 يستوجب تدخّلاً تشريعياً»، ومن جهة ثانية تُفتي بإمكان تعليق العمل بهذه الدائرة من دون أي تدخّل تشريعي. ألا يعني هذا التناقض أنّ الهيئة تعترف بأنّ ما أفتت به مُخالف للقانون؟

theme::common.loader_icon