الهجمة على الشيعة ليست مجرّد نزاع كلامي أو اختلاف سياسي، بل امتحانٌ أخلاقي ووطنّي. إنّها لحظة تكشف مَن يلتزم بالعدالة ومَن ينساق وراء التحريض، ومَن يُقدّر الخطر الحقيقي ومن يُضيّع الوقت في الصغائر. حين يُستهدف الشيعة كهويّة، لا كأفراد، يُستهدف قلب لبنان نفسه، نسيجه الاجتماعي، وعمقه الوطني.
الخطر الذي يُحيط بنا لم يطرأ بالأمس فقط، ولا يرتبط بإطلاق صواريخ هنا أو هناك. إنّه خطرٌ قائم بذاته، مشروعٌ لا يتوقّف عند حادثة أو حملة عابرة، بل يُخطَّط منذ عقود لإخضاع المنطقة وإعادة رسم خرائطها على مقاس وَهم «إسرائيل التوراتية». ما قاله مايك هاكابي، وقبله بنيامين نتنياهو، وما قاله يائير لابيد ليس مجرّد كلام؛ هو إعلان نوايا صريح، برنامج يُهدِّد استقلال لبنان، ويجعل من الجميع، مسيحيِّين ومسلمين سنّة وشيعة ودروزاً وعلويِّين وموارنة وروم وكاثوليك وأرمن، بين قتيلٍ ومشرّدٍ ومستعبد.
الدور المقاوم للشيعة في لبنان لم يكن امتيازاً طائفياً، بل واجباً وطنياً حملوه عن الجميع. من قرى الجنوب حيث كان الاحتلال جاثماً، خرجت إرادة التحرير، وكتب الشهداء صفحات من الصمود أعادت للأرض كرامتها. الدم الذي سُفك، والبيوت التي هُدّمت، والبلدات التي تهجّر أهلها، كانت قرباناً عن الوطن كله. ومن هنا، أي خلاف مع توجّه سياسي شيعي لا يجوز أن يتحوّل إلى حرمان النازحين من حقوقهم الوطنية، أو إسقاط كرامتهم بفعل الهمجية الإسرائيلية. كلّ لبناني له حقٌّ في الاحتضان، وكل دمٍ له قيمة متساوية في الوطن الواحد.
الهجمة على الشيعة تسقط بذاتها: أخلاقياً لأنّها تنتهك العدالة والكرامة، وطنياً لأنّها تصرف الأنظار عن العدو الحقيقي، وهنا تكمن خطورتها الكبرى، لأنّها تخدم، من حيث تدري أو لا تدري، مشروعاً لا يريد للبنان إلّا التفكّك والانهيار. الدفاع عن الشيعة اليوم هو دفاع عن كلّ اللبنانيِّين؛ الدفاع عنهم هو الدفاع عن لبنان الرسالة، وعن لبنان الجغرافيا في آن.
في هذه اللحظة، لا يكفي مجرّد التحذير أو التشخيص. الواجب هو تثبيت البوصلة، حماية الداخل بالعدل والاحتضان، وإعلاء كلمة الحق على خطاب الكراهية، وإبقاء العين مفتوحة على مَن يحيك الخراب من الخارج. فلبنان لا يقوم إلّا بجميع أبنائه، وكلّ ضعف داخلي هو امتداد لهدف خارجي يسعى إلى إسقاطنا جميعاً.
لبنان ليس مجرّد مساحة، بل رسالة؛ رسالة يزيد من حصانتها التمسّك بإرادة مواجهة ذلك المشروع، تتعاظم بالوحدة، وتُصان بالكرامة. وكل هجوم على مكوّن من المكوّنات اللبنانية هو هجوم على جميع اللبنانيِّين، وكلّ ضعف داخلي هو فرصة للعدو، وكلّ تضامن أخلاقي هو خط دفاع عن الوطن كلّه.