النفط الإيراني ودوره الاقتصادي
النفط الإيراني ودوره الاقتصادي
البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ

بروفيسور في جامعة القدّيس يوسف ببيروت، رئيسة مؤسِّسة لجمعيّة التميّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتنمية الاقتصاديّة "AXISSED"

Tuesday, 03-Mar-2026 07:13

ينبع نفوذ إيران على مضيق هرمز من موقعها الجغرافي وموقعها العسكريّ أكثر منه من «سيطرتها» بالمعنى القانوني. ولديها موانئ وقواعد بحرية وأنظمة صواريخ ساحلية وطائرات من دون طيار وزوارق هجومية سريعة، «إن بقِيَت»، يمكن أن تهدّد الممرّات الملاحية، وترفع تكاليف التأمين وتثير الذعر في الأسواق، حتّى من دون إغلاق الممرّ المائي بالكامل. وعلى مدى عقود، حذّر المسؤولون الإيرانيّون بشكل دوري، وفي اليومَين الأخيرَين، بتعطيل حركة العبور كشكل من أشكال الردع وقوّة المساومة. في الواقع، سيكون من الصعب الحفاظ على إغلاق كامل للممرّ، وسيحمل ذلك مخاطر هائلة لإيران نفسها، بما في ذلك الانتقام العسكري والإرتداد الاقتصادي، لكنّه يبقى أهمّ نقاط الضغط الاستراتيجية لطهران.

بوجهٍ عام، عندما تغادر ناقلات النفط الخليج الفارسي أو محطات فنزويلا في البحر الكاريبي تحت وطأة العقوبات، نادراً ما يكون هناك شك في وجهتها النهائية، فهي غالباً تتّجه شرقاً. ففي عالم تتصادم فيه التوترات الجيوسياسية وأمن الطاقة، تبرز الصين كمشترٍ رئيسي للنفط الخام من أكبر منتجي النفط الخاضعين للعقوبات: إيران وفنزويلا. لذلك، فإنّ السؤال ليس ببساطة كَم تشتري الصين من النفط الإيراني. بل ما يخبرنا هذا الرقم عن أنماط التجارة النفطية العالمية.

 

ففي العام 2025، انتهى المطاف بأكثر من 80% من صادرات النفط الخام الإيراني المنقولة بحراً في الصين. هذه الإحصائية وحدها تعكس حجم العلاقة. بالنسبة لطهران، الصين ليست مجرّد عميل مهمّ، بل هي السوق التي تحافظ على بقاء قطاع النفط فيها. وفقاً لبيانات تحليلات الشحن، اشترت الصين ما معدّله 1,38 مليون برميل يومياً من النفط الخام الإيراني العام الماضي. في بلد يستورد حوالى 10,27 ملايين برميل يومياً عن طريق البحر، شكّلت البراميل الإيرانية حوالى 13,4% من إجمالي واردات النفط الخام المنقولة بحراً. وتكشف عن علاقة مدفوعة بالمراجحة الإقتصادية، والمواقف السياسية، والمخاطر المحسوبة.

 

لا يمكن فهم الحالة الإيرانية بمعزل عن غيرها. ففنزويلا تقدّم مثالاً موازياً. إذ يواجه كلا البلدَين عقوبات أميركية شاملة، تهدف إلى الحدّ من عائدات النفط. وشهد كلاهما انسحاب المشترين التقليديِّين، ووجدا في الصين عميلاً راغباً وإن كان متحفّظاً.

لسنوات، كانت الصين المشتري النهائي المهَيمن للنفط الخام الفنزويلي، غالباً من خلال سلاسل تجارية معقّدة تنطوي على مراكز إعادة شحن وشحنات معاد توجيهها. عادةً ما يُتداول بالبراميل الفنزويلية، مثل البراميل الإيرانية، بخصم لتعويض مخاطر العقوبات.

 

ومع ذلك، فإنّ تجربة فنزويلا في أوائل العام 2026 تسلّط الضوء على فروق رئيسية. فبعد أن أدّت الإجراءات البحرية التي استهدفت ناقلات النفط الفنزويلية والاضطرابات السياسية في كاراكاس إلى تعطيل التدفّقات، لم تلجأ مصافي التكرير الصينية في المقام الأول إلى إيران للحصول على براميل بديلة. بدلاً من ذلك، سرعان ما سَدّ النفط الخام الروسي هذه الفجوة. فارتفعت واردات الصين من النفط الروسيّ إلى حوالى 2,07 مليون برميل يومياً في شهر واحد، بزيادة تقارب 370 ألف برميل يومياً مقارنةً بشهر كانون الثاني، وهو ما يعادل تقريباً صادرات فنزويلا السابقة إلى الصين. يدلّ هذا الاستبدال إلى قصة أكبر. إذ تشتري الصين النفط الخاضع للعقوبات لأنّه مفيد، وليس لأنّ لا بديل له.

 

منذ أن أعادت واشنطن فرض عقوبات شاملة على طهران في العام 2018 بعد انسحابها من الاتفاق النووي، تغيّرت تجارة النفط الإيرانية جذرياً. فخرجت الشركات الأوروبية، أغلِقت القنوات المالية، ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وقلّص العديد من المستوردين الآسيويّين مشترياتهم أو أوقفوها.

 

من جهة أُخرى، ترفض بكين العقوبات الأحادية، وتصرّ على أنّ تجارتها مع إيران مشروعة. ومع ذلك، لم تظهر بيانات الجمارك الصينية رسمياً واردات النفط من إيران منذ منتصف العام 2022. يُحَلّ هذا التناقض الظاهر من خلال آليات تجارة النفط العالمية. وغالباً ما يُنقَل النفط الخام الإيراني بين السفن في البحر وإعادة تسميته على أنّه منشأ من دول مثل ماليزيا أو إندونيسيا.

 

كذلك، يُتداول النفط الخام الإيراني الخفيف بخصم كبير على المعايير العالمية. فمنذ أواخر العام 2025، عُرِض بسعر يقلّ بحوالى 10-8 دولارات للبرميل عن سعر «برنت» على أساس التسليم إلى الصين. لكنّ هذا الخصم يعوَّض عنه بالمخاطر، فالتأمين أعلى. والشحن يمكن أن يكون أعلى تكلفة. كما توجّه المدفوعات عبر قنوات أشدّ تعقيداً. وهناك تهديد مستمرّ بفرض عقوبات جديدة أو مصادرة ناقلات النفط. في عدّة مراحل في العام الماضي، احتفظت إيران بكمّية قياسية من النفط الخام في مخازن عائمة تعادل حوالى 50 يوماً من الإنتاج. عندما يتراكم النفط في البحر، يخفّض البائعون الأسعار لجذب المشترين. وتتّسع الخصومات.

 

كما ذكرنا سابقاً، تُضيف البيئة الجيوسياسية لإيران طبقة أخرى من التعقيد. إذ يمرّ ما يقرب من خُمس الاستهلاك العالمي من النفط الخام عبر مضيق هرمز، وهو ممر ضيّق هدّدت إيران مراراً بإغلاقه في حالة نشوب صراع كبير (كما هي الحال في هذه الأيام). فأيّ تصعيد سيؤثّر على الأسواق العالمية.

 

بما يخصّ الصين، التي تتجاوز صادراتها إلى الولايات المتحدة وحدها 400 مليار دولار سنوياً، فإنّ الاستقرار الجيوسياسي الأوسع نطاقًا له وزن اقتصادي هائل. وعندما أشارت واشنطن في العام 2026 إلى أنّها قد تفرض تعرفة جمركية بنسبة 25% على شركاء إيران التجاريّين، كانت الرسالة واضحة: معاملات الطاقة جزء لا يتجزّأ من منافسة استراتيجية أكبر. لذلك، يتوجّب على بكين دوماً ألّا تحسب هوامش التكرير وحسب، بل العواقب الدبلوماسية.

 

هناك أيضاً تحوّل هيكلي جارٍ. إذ تستثمر الصين بكثافة في الطاقة المتجدّدة. وقد تجاوزت المركبات الكهربائية والهجينة 50% من مبيعات السيارات الجديدة في بعض الأشهر. فيقلّل هذا التحوّل في مجال الطاقة من النفوذ الاستراتيجي لأي مورِّد للنفط. ولا يزال النفط الخام الرخيص جذّاباً لاقتصاديات التكرير، لكنّه لم يَعُد ضرورياً لأمن الطاقة الوطني.

في المشهد العام، لا تؤدّي العقوبات اليوم إلى عزل المنتجين تماماً. بل إنّها ترفع تكاليف المعاملات وتحوّل التجارة نحو المشترين الراغبين في إدارة المخاطر. وقد وضعت الصين نفسها في موقع هذا المشتري، ولا سيّما من خلال مصافيها المستقلة.

 

توضِّح الأمثلة السابقة أنّ مشاركة الصين مشروطة. فإذا اشتدّت ضغوط التوريد، أو ارتفعت المخاطر الجيوسياسية، بشكل حاد، يمكن للعملاق الآسيوي أن يُغيّر موقفه وسيفعل ذلك. بحسب طهران، فإنّ المخاطر وجودية، أمّا لبكين، فهي محض اقتصادية. فالتنّين الصيني يشتري من الكثير من الدول، والقاسم المشترك بينها ليس الإيديولوجيا، بل السعر والموثوقية.

 

في النهاية، نرى أنّ العلاقة النفطية بين إيران والصين ليست قصة تبعية. إنّها قصة براميل مخفّضة السعر تتدفّق عبر عالم أُعيد تشكيله بفعل العقوبات، عالم تتقاطع فيه الاقتصاديات والمصالح الجيوسياسية وهوامش الأرباح في كل ناقلة تُبحِر شرقاً، ولعلّ الزبون المدلّل اليوم، يصبح مهمّشاً غداً... فالمصلحة الاقتصادية فوق كل الاعتبارات.

theme::common.loader_icon