الأسلحة النووية ليست أداة نفوذ ولا ترفاً سياسياً، بل مسؤولية وجودية قصوى. هذا الإدراك، الذي شكّل أساس التفكير الاستراتيجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يبدو اليوم مهدَّداً بالتآكل، في وقت يزداد فيه الحديث عن السلاح النووي بوصفه خياراً سياسياً قابلاً للتداول. وإذا لم يُستعد هذا الفهم، فإنّ العالم يقترب من حافة كارثة لا يمكن احتواؤها.
منذ ظهور السلاح النووي، انقسم النقاش العالمي بين مَن يرى في انتشاره خطراً وجودياً، ومَن يعتبره عامل استقرار. أنصار الردع النووي يجادلون بأنّ امتلاك هذه الأسلحة يمنح الدول الضعيفة مظلّة أمان، ويُجبر القوى الكبرى على تفضيل الديبلوماسية على المواجهة العسكرية المباشرة. ويستشهد هؤلاء بتجربة الحرب الباردة، وكذلك بالتوازن الهش بين الهند وباكستان، حيث حالَ الردع النووي دون اندلاع حروب شاملة.
في المقابل، يرى معارضو هذا الطرح، أنّ بقاء السلاح النووي محصوراً في أيدي عدد محدود من الدول، تمتلك أنظمة قيادة وتحكّم متقدّمة، هو الخيار الأقل خطورة. ويؤكّدون أنّ غياب الكارثة النووية حتى الآن لا يعني انتفاء الخطر، بل يعكس هشاشة توازن يعتمد على قرارات بشرية قد تكون خاطئة في لحظة ما. ويذهب بعضهم إلى أنّ تضخيم الحديث عن المخاطر يُستخدم أحياناً لتبرير احتكار هذه الأسلحة من قِبل قوى بعينها.
عملياً، لم يعُد السلاح النووي حكراً على القوى الكبرى التقليدية. الهند وباكستان تمتلكان قدرات نووية مؤكّدة، وكوريا الشمالية أعلنت امتلاكها لهذا السلاح، فيما يُعتقد على نطاق واسع أنّ إسرائيل تملك ترسانة نووية غير معلنة رسمياً. هذه المعطيات تعزّز المخاوف من سباق تسلّح نووي جديد يُهدِّد الأمن العالمي على المدى المتوسط والبعيد.
هذا الجدل ينعكس بشكل متزايد على السياسة الخارجية الأميركية، ويؤثر مباشرةً في علاقاتها مع حلفائها، ولا سيما في أوروبا. ففي أميركا اللاتينية، بدأ دبلوماسيّون برازيليّون سابقون يطرحون علناً فكرة إعادة النظر في الخيار النووي، رداً على خطاب أميركي يعتبر نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصرياً لواشنطن. وفي أوروبا، أصبح النقاش أكثر صراحة وحِدّة.
هناك دعوات متنامية لتوسيع نطاق الردع النووي الفرنسي والبريطاني، ليشمل جميع الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تبنّى هذا الطرح علناً، مدعوماً بمواقف شخصيات بارزة مثل رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشينغر. في المقابل، يذهب تيار أوروبي آخر إلى أبعد من ذلك، مطالباً بامتلاك الاتحاد الأوروبي قدرة ردع نووية مستقلة، تضمن مكانته في مواجهة الولايات المتحدة وروسيا والصين.
غير أنّ هذا المنطق يحمل تناقضاً واضحاً. فبينما يرى البعض في الردع النووي ضمانة للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، يحذّر آخرون من أنّ مثل هذه الخطوات قد تُفسَّر في واشنطن بوصفها تمهيداً لفك الارتباط، ممّا يدفع دولاً مثل ألمانيا إلى طرح نفسها كـ»جسر» بين أوروبا والولايات المتحدة، لا كطرف في مشروع نووي مستقل.
في جوهره، لا يرتبط الجدل الأوروبي حول «المظلة النووية» بحاجات أمنية وجودية حقيقية. تاريخياً، كان السلاح النووي أداة لدول تواجه تهديدات مصيرية مباشرة، كما هو الحال مع كوريا الشمالية أو إسرائيل. أمّا الاتحاد السوفيتي، فقد طوّر ترسانته النووية لتجنّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ولتحقيق توازن ردع مع الصين في مراحل لاحقة. من الصعب، في هذا السياق، تصوُّر تهديد شامل لأوروبا يُبرّر المجازفة بكارثة نووية.
ما تطمح إليه القوى المجاورة لأوروبا، وفي مقدّمتها روسيا، لا يتمثل في تدمير القارة، بل في تقليص تدخُّلها في محيطها الجغرافي، ووقف ما تعتبره تهديدات أمنية، وإعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية الدولية بما يخدم مصالحها. إدخال العامل النووي في هذا السياق لا يزيد مستوى الأمن، بل يرفع منسوب المخاطر وسوء التقدير.
النقاش النووي في أوروبا يعكس، في جوهره، الانقسامات العميقة داخل ما يُعرف بـ«الغرب الجماعي»، الذي يمرّ بمرحلة ارتباك استراتيجية. فالتحوّلات في الخطاب الأميركي لم تُترجَم إلى تغييرات ملموسة على الأرض. وعلى رغم من حديث إدارة ترامب سابقاً عن تقليص الالتزامات في أوروبا، لا توجد مؤشرات جدّية إلى نية الولايات المتحدة سحب أسلحتها النووية من القارة.
في المقابل، تلقّت تصريحات ماكرون صدى قوياً في الأوساط الفكرية والسياسية الألمانية، ما يعكس استخدام الملف النووي كورقة ضغط تكتيكية في العلاقة المتوترة مع واشنطن. ومع ذلك، يبقى من غير الواقعي تصوّر أنّ فرنسا ستقبل بتقاسم السيطرة على ترسانتها النووية مع ألمانيا أو مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، كما أنّ بريطانيا لا تُبدي أي استعداد للتنازل عن سيادتها النووية. عملياً، يبدو أنّ هذا الخطاب يهدف أساساً إلى لفت انتباه الولايات المتحدة، من دون تقدير كافٍ لتداعياته بعيدة المدى.
في السياسة الدولية، لا تُعدّ الأسلحة النووية وسيلة نفوذ أو أداةً للمزايدة. امتلاكها يعني تحمُّل مسؤولية استثنائية، والتعامل معها بوصفها خطاً أحمر أخلاقياً واستراتيجياً. إعادة ترسيخ هذا الفهم باتت ضرورة ملحّة، قبل أن يتحوّل الجدل السياسي حول السلاح النووي إلى خطوة غير محسوبة، تفتح الباب أمام كارثة عالمية.