تحت وابل الهجمات الإيرانية، ومع تزايد التشكيك في جدوى العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، اتجهت دول الخليج إلى أوكرانيا، أستراليا، وإيطاليا طلباً للمساعدة. ولم يستغرق الأمر سوى أيام قليلة من الهجمات الإيرانية قبل أن تقرِّر دول الخليج العربي، التي اعتمدت طويلاً على الضمانات الأمنية الأميركية، أنّها بحاجة إلى مزيد من الدعم.
وعلى رغم من وجود قواعد أميركية كبرى، أو ربما بسببها، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الخليج. وكانت الصواريخ الاعتراضية الأميركية الصنع التي تعتمد عليها هذه الدول مكلفة وتعاني من شحّ عالمي.
لذلك، تواصلت السعودية مع أوكرانيا، وهي دولة تمتلك خبرة في التصدّي للطائرات المسيّرة الروسية المصمَّمة على غرار الإيرانية. أمّا الإمارات العربية المتحدة، فتلقّت مساعدة من فرنسا وأستراليا. كما طلبت عدة حكومات خليجية من إيطاليا توفير أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.
لطالما شكّك القادة في الخليج، وهم حلفاء مقرّبون للولايات المتحدة، في قيمة الضمانات الأمنية الأميركية. واليوم يجدون أنفسهم في مرمى حرب إقليمية بدأها حليفهم، الولايات المتحدة. وتتزايد الشكاوى من محدودية الحماية الأميركية.
وأعلن وزير الدفاع الإيطالي، غيدو كروسيتو، أمام برلمان بلاده الأسبوع الماضي: «إنّ دول الخليج تعبّر عن قلق شديد للغاية حيال تطوُّرات الأزمة، وقد أبدت الحاجة الملحّة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل عاجل».
أمّا وزير خارجية عُمان، بدر البوسعيدي، فقد صرّح لصحافيِّين محليِّين الأسبوع الماضي، بأنّ الوقت قد حان لدول الخليج لإعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، مشيراً إلى نقاش متنامٍ في المنطقة، بحسب ما أوردته صحيفة «عُمان ديلي».
جميع دول الخليج لديها شراكات أمنية مع الولايات المتحدة. وقد صُنّفت السعودية، قطر، الكويت، والبحرين كـ«حلفاء رئيسيِّين من خارج الناتو»، في حين صُنّفت الإمارات كشريك دفاعي رئيسي. كما حصلت البحرين وقطر على تعهُّدات دفاعية إضافية من الولايات المتحدة. ودافعت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، عن الحرب، معتبرةً أنّها ضرورية لضمان سلامة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، من بين أسباب أخرى. وأضافت، إنّ وتيرة الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية انخفضت بأكثر من 90% منذ بدء الحرب، ما يشكّل دليلاً على أنّ الحرب «تُدمِّر قدرتهم على إطلاق هذه الأسلحة أو إنتاج المزيد منها. الرئيس ترامب على تواصل وثيق مع شركائنا في الشرق الأوسط، وتُثبِت هجمات النظام الإيراني الإرهابي على جيرانه مدى ضرورة أن يقضي الرئيس ترامب على هذا التهديد لبلدنا وحلفائنا».
تغيير النظام الإيراني
ووصف الرئيس ترامب الحملة بأنّها محاولة لإطاحة النظام الإيراني. وعلى رغم من أنّ هذا الهدف قد يبدو نظرياً جذاباً لبعض دول الخليج التي ترى في إيران تهديداً دائماً، وعلى رأسها السعودية، فإنّها مع ذلك ضغطت على الرئيس ترامب قبل 28 شباط لاختيار الديبلوماسية بدلاً من الحرب.
وكانت هذه الدول تخشى أن يكون تغيير النظام غير قابل للتحقيق، وأن تتحوّل إيران إلى دولة فاشلة، ما يشكّل كارثة بالنسبة إليها. كما كانت تخشى أن تنهمر عليها الردود الإيرانية، ما يعرّض سمعتها كملاذات آمنة للخطر ويؤدّي إلى هروب المستثمرين. ومنذ بدء حملة القصف الأميركية-الإسرائيلية في 28 شباط، قُتل أكثر من 1300 مدني في إيران، بحسب ممثل البلاد لدى الأمم المتحدة. وردّت إيران بإطلاق أكثر من 3000 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه الدول الخليجية الست.
وقد صرّح ترامب مراراً بأنّ أحداً لم يكن ليتوقع هذه النتيجة، على رغم أنّ باحثين إقليميِّين ومسؤولين إيرانيِّين ومقالات صحافية كانوا قد حذّروا من ذلك تحديداً.
ولفت ترامب للصحافيين في البيت الأبيض يوم الاثنين، إلى أنّه: «لم يكن هناك خبير واحد يقول إنّ ذلك سيحدث. وحتى لو كنا نعلم، فما المشكلة؟ علينا أن نفعل ما يجب علينا فعله».
ويزعم مسؤولون إيرانيّون أنّهم يستهدفون المنشآت العسكرية الأميركية ومصالح أميركية أخرى. كما تسبَّبت الهجمات بأضرار واسعة في البُنية التحتية المدنية في الخليج، بما في ذلك المطارات والفنادق ومحطة لتحلية المياه. وقد أسفرت عن مقتل ما لا يقلّ عن 15 مدنياً في أنحاء الخليج، معظمهم من العمال المهاجرين.
وأوضح عبدالعزيز الغشيان، الباحث السعودي في منتدى الخليج الدولي، وهو منظمة بحثية: «يتضح أكثر فأكثر أنّ الشيء الوحيد المضمون هو أنّه لا توجد ضمانات».
الكلفة الاقتصادية
وقد كانت الكلفة الاقتصادية للنزاع هائلة. فقد اضطرّت قطر والإمارات، وهما مركزان رئيسيان للطيران، إلى تعليق الرحلات أو تقليصها بشكل كبير. كما فرّ السياح عبر الحدود البرية. وتعرّضت صناعات الطاقة في الخليج (المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومات) إلى ضربة قاسية مع استهداف إيران للمصافي وحقول النفط في المنطقة. وأوقفت قطر، إحدى أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال في العالم، الإنتاج إلى أجل غير مسمّى بعد تضرّر منشآتها.
ويوم الاثنين، أصابت طائرة مسيّرة إيرانية حقلاً للغاز في الإمارات، ما أدّى إلى اندلاع حريق وفرض تعليق العمليات. وقد خنقت الهجمات فعلياً مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي تمرّ عبره السفن التي تحمل النفط والغاز الطبيعي إلى الأسواق.
وبالنسبة إلى مسؤولي الإمارات، فإنّ استمرار قدرة إيران على استخدام المضيق لشحن نفطها، في حين تعجز دول الخليج العربية عن استخدامه بأمان بسبب الهجمات الإيرانية، يشكّل مصدر قلق كبير، بحسب نديم قطيش، وهو معلّق إماراتي-لبناني مقرّب من الحكومة.
لطالما أدان المعارضون من دول الخليج الطريقة التي ربطت بها العائلات الحاكمة في المنطقة مصالحها بالولايات المتحدة.
وكتبت مريم الدوسري، المتحدّثة باسم حزب معارض سعودي في المنفى، على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع: «يجب إغلاق القواعد الأميركية في السعودية. فهي موجودة فقط لحماية إسرائيل، بينما تعرّض حياة المدنيِّين لدينا للخطر».
لكن منذ بدء الحرب، بدأ رجال أعمال مؤيّدون للحكومات وحتى بعض المسؤولين داخل دول الخليج، يطرحون تساؤلات حول قيمة العلاقات مع الولايات المتحدة.
وكتب خلف الحبتور، الملياردير الإماراتي، على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت سابق من هذا الشهر: «الرئيس دونالد ترامب، سؤال مباشر: مَن مَنَحك السلطة لجرّ منطقتنا إلى حرب مع إيران؟ هل فكّرت في الأضرار الجانبية قبل الضغط على الزناد؟ ألم تفكر بأنّ دول المنطقة ستكون أول مَن يعاني من هذا التصعيد؟».
ولا تتحرَّك حكومات الخليج ككتلة واحدة، إذ تتبع سياسات مختلفة تجاه إيران وإسرائيل. وفي بعض الحالات، توجد توترات كبيرة في ما بينها. ويبدو أنّ بعضها أكثر تحمُّلاً من غيره لحرب طويلة الأمد. كما يؤكّد البعض أنّه راضٍ عن الدعم الأميركي الذي تلقاه.
العلاقات الأميركية - الخليجية
في الإمارات، لم تدفع الحرب المسؤولين إلى إعادة النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة، بحسب وزيرة الدولة ريم الهاشمي في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي نيوز» الأسترالية. وأضافت: «على العكس تماماً. علاقتنا مع الولايات المتحدة شراكة استراتيجية طويلة الأمد. وهي شراكة لا تتزعزع في أوقات الأزمات».
لكن في الأيام التي تلت اندلاع الحرب، بدأت دول الخليج سريعاً بمواجهة واقع تراجع مخزونها من الصواريخ الاعتراضية اللازمة للتصدّي لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقد سألت قطر عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إرسال المزيد، وفقاً لشخصَين مطلعَين على الطلب. ولم تردّ الحكومة القطرية على طلب للتعليق.
كما لم تردّ القيادة المركزية الأميركية، المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، على الأسئلة بشأن طلب الصواريخ الاعتراضية، وكذلك لم تردّ كيلي.
وأصرّ وزير الدفاع بيت هيغسيث على أنّ إيران لا يمكنها الصمود أمام قدرة الولايات المتحدة على التصدّي لوابل الضربات الإيرانية الموجّهة إلى حلفائها.
لكن في حين لدى البيت الأبيض خطط لزيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، فإنّها «مورد محدود»، بحسب إليزابيث دنت، المسؤولة الدفاعية السابقة والزميلة البارزة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. وأوضحت أنّ العديد من الدول حول العالم حصلت على موافقات لتلقّي هذه الأنظمة، لكنّها تواجه تأخيرات في الإنتاج، خصوصاً بعد أن خلقت الحرب في أوكرانيا حاجة ملحّة إليها.
وفي خضم هذا المأزق، سعت حكومات الخليج إلى إظهار القوّة. فقد أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية أنّها تحتفظ بـ«مخزون استراتيجي قوي من الذخائر، يضمن قدرات مستدامة على الاعتراض والاستجابة على مدى فترات طويلة»، مضيفةً أنّ الإمارات «مستعدة تماماً لمواجهة أي تهديدات».
وفي حديثه إلى التلفزيون الرسمي الإماراتي بعد زيارته مصابين في مستشفى، وجّه رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد رسالة إلى «أعداء» بلاده: «الإمارات ذات جلد سميك ولحم مُرّ. لسنا فريسة سهلة».