بوتين الرابح الأكبر من حرب إيران
د.جوزيف ديب
Tuesday, 17-Mar-2026 06:13

كلّما اتسعت الحرب على إيران، بدا أنّ المستفيد الأكبر يجلس في موسكو وليس في طهران، ولا في واشنطن ولا في تل أبيب. فالمسألة هنا تُقاس بما أحدثته الحرب على صعيد أسواق الطاقة، وأولويات الغرب، وتوزيع الضغط العسكري والسياسي بين أوكرانيا والشرق الأوسط، لا بعدد الصواريخ أو باتساع الجبهات وحدهما. ومن هذه الزاوية تحديداً، يظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رابحاً أكثر ممّا توحي به خرائط الميدان.

فأول ما يربحه بوتين من هذه الحرب هو المال. ذلك أنّ الإدارة الأميركية، تحت ضغط صدمة الطاقة، لم تعُد تتصرَّف كما لو أنّ خنق العائدات الروسية هو الأولوية المطلقة. وفي هذا السياق، تبيّن أنّ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي OFAC، كان قد أصدر ترخيصَين سمحا باستمرار بيع شحنات من النفط الروسي كانت محمّلة مسبقاً، بما عكس واقعاً جديداً عنوانه أنّ استقرار السوق بات يزاحم منطق العقاب. وهذا ليس تفصيلاً تقنياً، وإنما اعتراف عملي بأنّ الحرب أعادت ترتيب الأولويات. وفي الوقت عينه، تؤكّد وكالة الطاقة الدولية، أنّ الحرب تسبَّبت في اضطراب حاد في سوق النفط، وأنّ التدفّقات عبر مضيق هرمز تراجعت بشدة، فيما قفز «خام برنت» بأكثر من 40% منذ 28 شباط. وفي هذه البيئة، كل برميل روسي خارج هرمز يصبح أكثر قيمة، ولهذا تحدّثت «فايننشال تايمز» عن إيرادات إضافية تصل إلى 150 مليون دولار يومياً لروسيا من ارتفاع الأسعار.

 

ثم يأتي المكسب الثاني، وهو الوقت العسكري والسياسي. ففي هذا المسار، تبدو أوكرانيا وقد خسرت جزءاً كبيراً من الاهتمام الإعلامي، بالإضافة إلى أولوية السلاح والدبلوماسية. ونقلت «أسوشيتد برس» عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أنّ جولة المحادثات التالية تأجّلت بسبب حرب إيران، وأنّ كييف تخشى على إمدادات الدفاع الجوي. كما نقلت «رويترز» عنه، أنّ دول الخليج استخدمت في أيام قليلة من صواريخ الدفاع الجوي المتقدّمة أكثر ممّا تلقّته أوكرانيا من الولايات المتحدة خلال 4 سنوات. وحين يتأخّر التفاوض وتُستنزف المخزونات ويذهب السلاح والاهتمام إلى جبهة أخرى، تميل الكفة إلى موسكو حتى من غير اختراق ميداني جديد، لأنّ عامل الوقت بات في صالحها.

 

ثم يبرز المكسب الثالث لروسيا، ويتمثل في تآكل تماسك المعسكر المقابل.

 

وفي هذا الإطار، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لـ»فايننشال تايمز»، أنّ حلف شمال الأطلسي قد يواجه «مستقبلاً سيِّئاً جداً» إذا لم يساعد الحلفاء الولايات المتحدة في إعادة فتح مضيق هرمز. لكنّ الردّ لم يكن اصطفافاً غربياً صلباً، بل كان تردّداً واعتراضات وحسابات منفصلة. وفي الخلفية، كانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس تتهم واشنطن بأنّها تريد «تقسيم أوروبا»، فيما حذّر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية من أنّ التهديدات الأميركية بالتعريفات والعقوبات على دول أوروبية تشكّل سابقة خطيرة، وذهب بعض باحثيه إلى أنّ أزمة غرينلاند قد تدمِّر ليس فقط «الناتو» بل الاتحاد الأوروبي أيضاً إذا لم تتحرَّك أوروبا بحزم. هنا تحديداً يكمن الفارق، فبوتين لا يحتاج إلى تحالف مثالي في الصورة بقدر ما يحتاج إلى خصم أقل تماسكاً في الميدان السياسي والاقتصادي، وهذا ما تمنحه له الحرب الآن.

 

أمّا المكسب الرابع، فتمنحه له الصين من باب الاقتصاد لا المجاملة السياسية. ويُبيِّن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف CREA، أنّ الصين اشترت 48% من صادرات روسيا من النفط الخام منذ كانون الأول 2022 حتى نهاية شباط 2026، وأنّها بقِيَت في شباط وحده أكبر مشترٍ عالمي للوقود الأحفوري الروسي، مستحوذة على 52% من عائدات روسيا التصديرية بين أكبر 5 مستوردين. وفي المقابل، تقول وكالة الطاقة الدولية إنّ 80% من النفط العابر مضيق هرمز وقرابة 90% من الغاز الطبيعي المسال المتجه عبره يذهب إلى آسيا. لذلك، كلّما تعقّدت إمدادات الخليج، ازدادت أهمّية البراميل الروسية المتجهة شرقاً، وأصبحت الصين منفذاً رئيسياً لامتصاص العائدات الروسية. ويزيد هذه الصورة وضوحاً، أنّ ترامب نفسه بدأ يضغط على بكين للمساعدة في فتح هرمز، بما يعني أنّ واشنطن وجدت نفسها في لحظة تحتاج فيها إلى الصين في ملف يصبّ في نهاية المطاف في مصلحة روسيا أكثر.

 

وفوق ذلك، يبرز عامل إضافي لا يقلّ أهمّية، ويتمثل في عودة بعض الأوروبيِّين إلى طرح روسيا، ولو مُكرَهين، كجزء من الحل الطاقوي. فقد وصفت رئيسة المفوّضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين العودة إلى الوقود الأحفوري الروسي بأنّها «خطأ استراتيجي»، وإنّ 10 أيام فقط من الحرب كلّفت دافعي الضرائب الأوروبيِّين 3 مليارات يورو إضافية في واردات الوقود الأحفوري. ولا يأتي هذا الكلام من فراغ، لأنّ هذا النقاش عاد فعلاً داخل أوروبا، ولأنّ رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر دعا إلى تطبيع العلاقات مع روسيا لاستعادة الطاقة الرخيصة. ومجرّد عودة هذا الكلام من داخل أوروبا يعني أنّ بوتين كسر جزءاً من السردية التي حاول الغرب تثبيتها منذ 2022.

 

لهذا كلّه، لا تبدو المسألة أنّ بوتين انتصر في حرب لم يشارك فيها مباشرة، بل إنّه خرج منها رابحاً استراتيجياً واقتصادياً في آنٍ. وإذا استمرّت الحرب على إيران، أو طال أثرها على الطاقة والتحالفات والسلاح، فلن يبقى السؤال كيف استفاد بوتين من هذه الحرب، بل إلى أي حدّ أتاحت لروسيا أن تستعيد ما خسرته سياسياً عبر بوابة الطاقة والسيولة وإعادة توزيع الضغط الدولي، أي عبر منطق الاقتصاد الجيوسياسي لا عبر الميدان وحده.

الأكثر قراءة