التبرّؤ من «محور الممانعة»، بقاموس المتبرّئين، هو من لزوميات تكريس السيادة واستعادة مقاليد القرار اللبناني. ومن حقّنا كلبنانيِّين أن يأتي هذا التبرّؤ صافياً، لا يعكّره صدى ضغوط خارجية، ومنزّهاً من شبهة محاباة محورٍ آخر، وأن يكون أيضاً بعيداً عن هوى الإنضواء في حضن الهيمنة ملتفتاً إلى مخاطر ذلك.
كل وطنيٍّ عاقل يرى أنّ الخروج ممّا يعتبره البعض ارتهاناً، لا يبّرر الوقوع في ارتهانٍ لا نقاش فيه ولا لبس في طبيعته وتداعياته، لا سيّما وأنّ الاصطفاف يتنافر إلى حدّ التناقض مع مبدأ الاستقلال، بل قد يصبح متعارضاً مع المقصد ذاته الذي يُرفع شعاره باسم السيادة واستعادة الدولة للقرار.
وبالفعل، فإنّ ما يراه البعض تحرّراً ممّا يوصف بالتبعية، لا يقتضي أن يؤدّي إلى تكريس تبعيةٍ أخرى، فلا مصلحة للبنان وشعبه أن نمنح خصومه مكاسب سياسية غير مسبوقة (كتلك التي شاهدها اللبنانيّون أوّل أمس على شاشات التلفزة)، أو أن نسلّم ضمنياً واستعجالاً لموازين الهيمنة الخارجية تحت عنوان الواقعية. فالسيادة لا تتجزّأ، والإستقلال لا يُصان بالحديث وحده، ولا يتحقّق بالتسليم لوصايةٍ، بل بالثبات والصمود والتمسّك بالوحدة الوطنية في وجه العدوان، وبقرارٍ وطني حرّ مستقل يرفض الهيمنة ويحمي لبنان وشعبه وأراضيه ويصون الكرامة والمستقبل والحرّية.
فحذارِ من أن تدفع الضغوط بالبعض إلى الهرولة للإنخراط في محور آخر يسوده الإسرائيلي الرامي إلى هدم الصيغة واستباحة الكيان اللبناني واحتلاله؛ هذا لن يحصل... السيادة هي التي ستسود... وهي لا تكون إلّا بالوعي الكامل والحذر والثبات والصمود ورفض أي مغريات خارجية قد توهم بالتحرّر، بينما هي في حقيقتها فخّ جديد لبنان بغنى من أن يقع مجدّداً فيه.
علينا كلبنانيِّين - مسؤولين ومواطنين - أن نحرص على أن يصير وطننا مستقلاً آمناً وحرّاً، فلا نركض وراء شعارات الزيف، بل نُحصّن قرارنا، ونصون أرضنا وكرامتنا وحريّتنا ونستفيد من مقدّراتنا، بعيداً من كل وصاية وأي إرادة خارجية تحاول استغلال الحدث لتحقيق مصالحها. الحرب الجارية كشفت أنّ هذه المصالح - ولنا في الأصوات التي ارتفعت في اليومَين السابقَين من أشقائنا في الخليج عِبرةً - لا تضمر للمنطقة ككل - ومنها لبنان واللبنانيّون - إلّا الوبال والزوال، المرحلة لا تحمل ارتجالاً أو انفعالاً...
اللهم نجِّ لبنان وشعبه وثبّتنا على الوعي والوحدة وألهمنا حسن التدبير.