أكثر فأكثر يتبلوَر المشهد، وتتقاطع المعطيات الديبلوماسية والميدانية، لترسم الاتجاه الذي يسلكه كيان لبنان ومستقبله السياسي والجغرافي والديموغرافي. وجاءت المعلومات المسرَّبة أخيراً عبر موقع «أكسيوس» حول ردّ «فات القطار» على طلب الحكومة اللبنانية للوساطة مع إسرائيل عبر توم براك، لتؤكّد أنّ لبنان يدخل المجهول، في ظل استعدادات إسرائيلية للتوغل 12 كيلومتراً في العمق اللبناني، وتحرُّكات عسكرية سورية غامضة على الحدود الشرقية. فهل بدأت عملية الانزلاق نحو إعادة الصياغة الشاملة كيانياً؟
يمثل الردّ الأميركي - الإسرائيلي الأخير على لبنان تحوُّلاً نوعياً في إدارة الصراع الدائر. فمن الواضح أنّ ما يريده الإسرائيليّون لم يعُد مجرّد «تفاهمات» أو «ترتيبات» أمنية، كما كانوا يطلبون في أوقات سابقة، بل باتوا يجدون الفرصة سانحة للحسم جذرياً. وإعلان إدارة دونالد ترامب، من خلال توم برّاك، رفضها التوسط في هذه المرحلة، يعكس اقتناعاً بأنّ السلطة اللبنانية خسرت في نظر الولايات المتحدة أهليّتها لقيادة المفاوضات وإدارة الصراع. وهذا ما بدأت تستغله إسرائيل باعتماد استراتيجية «الأرض المحروقة» والتحضير للاجتياح البري، بهدف فرض واقع جديد. أي إنّ خوف الحكومة اللبنانية من مواجهة «حزب الله» داخلياً سيقودها هي والحزب والبلد إلى خسارة استراتيجية مريعة. فالسيطرة على الجنوب، على الأقل حتى الليطاني، بل ابتلاعه، هي جزء من الحُلم الإسرائيلي التوراتي المعلن، والذي يشكّل جزءاً من المسار إلى تحقيق «إسرائيل الكبرى».
المثير أنّ «حزب الله» نفسه لا يدَع مناسبة تمر إلّا ويؤكّد أنّ إسرائيل تعمل لتصبح «كبرى»، وأنّ لبنان جزء من مشروعها. لكن كل ما يفعله يُسرِّع الإنزلاق إلى هذا المشروع ويُقدِّم الذرائع التي تحتاجها إسرائيل، وأبرزها الأمن.
وفي هذا المناخ، يبرز المتغيّر السوري كعامل حاسم في عملية خنق «حزب الله» جغرافياً وعسكرياً. فتعزيز دمشق لقواتها على الحدود اللبنانية تحت شعار «حماية الداخل»، يشي بسلوك الحكم في سوريا مسارَين: الأول هو تطويق البقاع بهدف قطع شريان الإمداد الحيوي عن «الحزب» وحرمانه من عمقه الاستراتيجي التاريخي. والثاني هو انخراط دمشق في المسار الإقليمي الجديد، أي إنّها تسعى بتأدية هذه المهمّة إلى حجز مقعد لها في «النظام الإقليمي الجديد». ويُجري الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالات يومية بأهل الحُكم والسياسة لتأكيد موقفه. وهذا الواقع سيجعل «حزب الله» وحيداً في مواجهة كماشة عسكرية: إسرائيل من الجنوب وسوريا من الشرق.
وتتحرَّك إسرائيل وفق مخطط يتجاوز العنوان المعلن، أي «تأمين مناطق الشمال»، إلى إعادة رسم الشرق الأوسط بكامله. وهي تعمل على تحويل الجنوب نطاقاً أمنياً لها، من خلال توغلها براً في عمق يصل إلى الليطاني، وفرض «منطقة أمان» موازية منزوعة السلاح تصل إلى خط الأولي. وسيقود استكمال عمليات التدمير والتوغل في الجنوب، تلقائياً، إلى «مسح» الحدود التاريخية وإنشاء واقع جغرافي جديد، أي إنّه سيؤدّي واقعياً إلى سقوط حدود «سايكس-بيكو» جنوباً. ومع الوقت، لا أحد يضمن ألّا تقوم إسرائيل بتكريس الواقع على الورق أيضاً كما فعلت في الجولان.
الاتجاهات التي يسلكها الواقع الإقليمي ككل تشير إلى أنّ حدود الدول القائمة حالياً، بما فيها لبنان الكبير، لم تعُد «مقدّسة» في الحسابات الاستراتيجية الكبرى. وبين الحين والآخر، يعلن الإسرائيليّون «كفرهم» بتقسيمات سايكس-بيكو. وهذا بديهي لأنّهم بوجودهم في المنطقة وتوسعهم، يريدون إعادة صياغة الخرائط بما يناسبهم. وقد يكون الهدف هو بناء دويلات أو مناطق نفوذ بخرائط جديدة تكون إسرائيل فيها العملاق الوحيد، من حدود إيران الشرقية حتى المتوسط.
وللتذكير، حرب إيران الحالية لن تنتهي قريباً. وإعلان ترامب عن قرب نهايتها لا يتجاوز كونه أداة لتهدئة أسواق النفط والغاز، لكنّ الحرب الفعلية مستمرّة بأدوات التدمير المنهجي والإخضاع الاقتصادي، وقد لا تنتهي حرب إيران نهائياً قبل أن تنضج الخرائط الجديدة.
إذاً، لبنان اليوم يواجه خطر التحوُّل من دولة ذات سيادة، في الشكل على الأقل، إلى ساحة لإعادة الترسيم الجغرافي. وتزامنُ «فات القطار» الديبلوماسي مع الحشد العسكري السوري والاندفاعة الإسرائيلية نحو الاجتياح، يشي بأنّ لبنان يدخل مشهداً يُكتب بنار تضعه بين خيارَين: إمّا الانخراط الفوري - ولو متأخّراً جداً - في عملية نزع السلاح الشاملة، وإمّا التحوُّل أشلاء جغرافية في خارطة شرق أوسطية تتلاشى فيها حدود 1920.