في هذه الأيام الحرجة يستفحلُ الخطرُ على لبنان أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ويجعل كلُّ لبناني أمام امتحانٍ ضميري ووطني. من حق كلّ مواطن أن يطرح رؤيته، وأن يتطلّع الى حصر السلاح بيَد الدولة، وهذا الحقُّ مشروعٌ يرقى الى مرتبة الواجب، لا سيما إذا كان نابعاً من وطنيةٍ صافية ومبنياً على استراتيجيةٍ واضحة، ومنطلقاً من رغبةٍ في بناءٍ دولةٍ جامعةٍ عادلةٍ مقتدرة. لكنّ الواجب الوطني يفرض علينا اليوم أن نطرح جانباً كل خلافٍ داخلي، ومنها هذه المسألة، وأن نعطي حماية الوطن واحتضان أبنائه الأولوية المطلقة. أيّ خطوةٍ في عكس هذه الوجهة لا تخدم إلّا العدوّ، وتُعرّض بلدنا إلى خطر الزوال، وتقود شعبه، كلّ شعبه، إلى بئس المصير.
أول أمس، في النبي شيت، اختبر اللبنانيّون، مجدّداً، حقيقة الإسرائيلي وغدره وخبث نواياه: إنزالٌ في العمق اللبناني، وخرقٌ فاضحٌ للسيادة، وتستّرٌ بلباس الجيش اللبناني، وإطباقٌ على المدنيِّين الآمنين، لكنّ مقاومة اللبنانيِّين كانت على الموعد: صدّت العدو، وأفشلت إنزاله وأهدافه، وجعلته ينسحب جارّاً أذيال الخيبة وجنوده بين قتيلٍ وجريحٍ ومذهول. ما جرى في النبي شيت ليس مجرّد إجهاضٍ لما كان العدو بصدده، أو نجاحٍ عسكري للمقاومة، بل درسٌ حيٌّ وواقعيٌّ لكلّ مَن يُغفِل أو يتغافل أنَّ هذه القوّة التي حرّرت الجنوب قبلاً تقوم راهناً بالدفاع عن الأرض والشعب في وجه عدوٍّ لا حدود لظلمه ولا رادع في سائر هذه الدنيا لوحشيّته وعدوانيّته وأطماعه.
إسرائيل، كما أعلن نتنياهو وهاكابي ولابيد وقبلهم ميئير كاهانا (ومن التذكير ما يورث السأَمْ) لا تحتمل لبنان المتعافي، لا تحتمل صيغته النقيضة التي تُسقطها أخلاقياً، لا تحتمل أن ينافسها أبناؤه في الأدوار التي تسعى إلى لعبها إقليمياً، ولا تُخفي، بل تجاهر، بطمعها بأرضه، بجنوبه، ببقاعه، بجبله - هار هَلِڤانون - نعم صدّقوا بجبله!
وذلك كأساسٍ لقيامة إسرائيل الكبرى، بل ووضعت خططاً توسّعية واستيطانية تنفيذاً لذلك من خلال الجمعيات المدعومة من حكومة العدو ووزرائها الأساسيِّين، وهذا كلّه يهدّد بزوال لبنان، وبترك شعبه بين قتيلٍ ومشرّد ومستعبد. هذا ليس افتراضاً من نسج خيال، أو مبالغةً، أو تطيّراً، أو حجّةً للمقاومة كوسيلة تضليل لتبرير وجودها واستمرارها، بل حقيقةٌ مرعبةٌ تُحتّم على كل لبناني واعٍ وأمين أن يُعيد ترتيب أولوياته على أساسها، هذا بالحدّ الأدنى إنْ لم يجد داعياً لمراجعة قناعاته في ضوئها، كلّ ذلك بعقلٍ ووعي وضمير.
ويقودني هذا الواقع إلى توجيه الكلام إلى أصحاب مقولة «إضرب الظالمين بالظالمين»، فأسألهم بقلبٍ متصالح: كيف يصحّ سياسياً وأخلاقياً ومنطقياً وإيمانياً... ولبنانياً أن نساوي بين العدو ومَن يواجه العدو؟! وكيف يصحُّ طمس الخطر الوجودي وتغييبه انسجاماً مع مقتضيات المصلحة السياسية الضيّقة؟ وفي الأساس أين المصلحة السياسية أصلاً في التماهي، من حيث ندري أو لا ندري، مع مشروعٍ لن يُبْقِ ولن يُذِر في حال نجاحه لا قدّر الله، أي أنّ شرّه لن يقتصر على حزبٍ أو مكوّن دون سائر اللبنانيِّين؟
علينا أن نواجه أنفسنا بهذه الأسئلة وأن نقدّم لأنفسَنا أجوبةً أمينةً على هذه الأسئلة، عندها، عندها فقط، نقف مع الحق، وننطق به، ونعمل ما يرضي الله والضمير، ونترفّع عن أيّ خلافٍ داخلي فنؤجّله إلى ما بعد زوال التهديد، ونحمي الوطن، وهذا لا يمثّل تنازلاً من أحد، بل يُجسّد حكمةً ودرجةً عليا من درجات الوطنية تُحصّن الأرض وتُرمّم وشائج الأخوّة بين اللبنانيِّين.
وعطفاً على ما تقدَّم، نخلص إلى أنّ كل نقدٍ داخل مشروع، وكلّ مراجعةٍ ضرورية، لكن لا أولوية تسمو اليوم على أولوية حماية لبنان واحتضان أبنائه والاستفادة من كل مقوّمات القدرة لدحر العدو.
وإلى اللبنانيِّين أسمح لنفسي بالقول: أجّلوا خلافاتكم، وانظروا بقلوبكم بعد غسلها، ترَون أنّ مَن يقف اليوم ليواجه العدو هو لبنانيٌّ أصيل، ابن بيئة راسخةٍ في هذه الأرض، يحمل دمه على كفّه، وقد عقد العزم على أن يبذل نفسه من أجل صدّ العدوان صوناً للبنان وزوداً عن كلّ اللبنانيين. اللهمّ نجاة لبنان... اللهم ناجتنا من سوء التدبير... اللهمّ ألهمنا ما تُحبّه وترضاه!