تعتقد مراجع ديبلوماسية عند قراءتها لتطوُّرات الساعات الماضية، ولا سيّما «البروفا» التي اختُبِرَت أمس الاول في الضاحية الجنوبية بعد تجربة جنوب الليطاني لجهة الإخلاء الشامل للمرّة الأولى، أنّ على اللبنانيِّين انتظار المزيد منها في المرحلة المقبلة، أن يستعدّوا لأسلوب جديد يمكن الوصول إليه، إن لم تنجح المبادرات المطروحة بعد سقوط الفرنسية في توفير أي مخرج، بمعزل عمّا يجري في إيران. وهو ما ترجمته هذه المراجع بانتهاء مرحلة المفاوضات والاستعداد لمرحلة الإملاءات. وهذه بعض المؤشرات والدلائل.
لم تكن التجربة «المُرعِبة» التي عاشتها الضاحية الجنوبية، وانعكاساتها على مختلف أحياء العاصمة ومخارجها أمس الأول، سوى الإشارة الأولى ممّا هو مُنتظَر في المرحلة المقبلة، من أشكال العدوان الإسرائيلي المتجدِّد على «حزب الله» وبيئته المباشرة، بعدما اقتاد البلد إلى أتون الحرب مرّة أخرى، على رغم من معرفته المسبقة بالنتائج المترتّبة على أي خطوة من هذا النوع يمكن أن يُقدِم عليها لـ»نُصرَة وإسناد» إيران، وبعد أن بلغت العمليات العسكرية على الدولة الفارسية المدى المعلن عنه، بموجب الخطط الأميركية التي فنّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأدقّ تفاصيلها، كما واكبها يومياً بإطلالاته الإعلامية المتعدِّدة بين ساعة وأخرى، مقدِّماً الجردة اليومية لما سمّاه إنجازات الجيش الأميركي «الخارق». وهي مواقف تناغمت مع تلك الإسرائيلية منها، رافضاً أن يكون رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد اقتاده إلى هذه الحرب.
وعليه، أوضحت مراجع ديبلوماسية وعسكرية في تقييمها الدقيق لمجريات الأحداث من زواياها المختلفة، أنّ واشنطن وتل أبيب كانتا واضحتَين في تشريح الخطوات المتدرّجة التي انتقلت من مرحلة توجيه ضربة مؤلمة للنظام الإيراني القائم إلى مرحلة إسقاطه، أياً كانت التكلفة المقدَّرة لمثل هذه الخطوة الكبيرة الهادفة إلى تغيير وجهته الدينية والجهادية من ضمن تركيبة النظام الحالية، أو لجهة توفير السلطة البديلة التي يمكن أن تقود إيران إلى وجهة جديدة لم تألفها منذ أكثر من تاريخ اندلاع الثورة الدينية قبل 47 عاماً.
وإلى هذه المعطيات، شرحت المراجع عينها، أنّ النتائج المترتبة على خطوة إخلاء الضاحية لا تقف عند إفراغ المنطقة من المدنيِّين لتكون مسرحاً لسلسلة من العمليات العسكرية، من دون أن تكون لها أي انعكاسات على حياة المدنيِّين، لا بل ما انتهت إليه عملية تهجير الناس إلى بيئات لبنانية مختلفة، ستؤسّس لمشاكل اجتماعية وإنسانية أكثر خطورة، وخصوصاً إن تمادى بعض النازحين بالخطوات الاستفزازية التي يقوم بها البعض بطريقة تسيء إلى المجتمعات المضيفة. وقد سجّلت الساعات الماضية نماذج خطيرة ليس من المستحَب الإشارة إلى البعض منها حفاظاً على الحدّ الأدنى من السلم الأهلي الذي لا تريد إسرائيل أي نموذج منه. ولتتجاوز الأذية البيئة الحاضنة لإيران والحزب إلى المجتمع اللبناني بكامله على تنوّعه المعاكس لها. وكل ذلك بهدف الحدّ من أجواء التضامن والتعاطف الإنساني مع النازحين، الذين افتقدوا في خروجهم المفاجئ أبسط حاجاتهم اليومية في شهر رمضان المبارك، وما ترافقه من عادات لا يمكن تجاوزها لدى فئة كبيرة منهم، على رغم من الظروف المأساوية التي لا يجب أن تتحوّل مدار استغلال رخيص، يُذكّي الفتنة بين اللبنانيِّين ويُسيء عنوةً إلى مظهر التضامن مع النازحين.
وإن توغلت المراجع في قراءة النموذج الذي خبرته الضاحية الجنوبية، لا تُخفي مخاوفها من تردُّدات سلبية نتيجة التزام أهاليها بتعليمات الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، الذي حدّد لهم طرقات النزوح كشرطي للسَير بتفاصيلها الدقيقة، بعدما رفض معظم سكان جنوب الليطاني إنذاراً مشابهاً بإخلاء مناطقهم قبل أيام قليلة سبقت تجربة الضاحية. وهو أمر انعكس ردّات فعل مذهلة وخطيرة لدى المجتمع الدولي، ولا سيما بعد فشل المبادرة التي تبنّاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد نَيله موافقة مسبقة من أهل الحُكم ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري، آخر مَن تحدّث إلى الرئيس الفرنسي في ساعات قليلة سبقت عرضها على الرئيس ترامب الذي أحاله على نتنياهو، لتلقى مصيرها المشؤوم قبل أن يجفّ حبرها.
وإلى هذه الملاحظة، كشفت مراجع سياسية وحزبية كانت على خط المفاوضات الحامية في الساعات القليلة الماضية عمّا هو أخطر بكثير، وخصوصاً إن ثَبُتَ أنّ هناك اقتراحاً لـ«متطرّف» يهدف إلى نزع الحزب التفويض المعطى لـ«الأخ الأكبر»، الرئيس نبيه بري، والمطالبة بالتفاهم مباشرةً مع القيادة الحزبية التي لا يتوفّر الاتصال الآمن بأي من أفرادها على الإطلاق وعلى أي مستوى.
يأتي ذلك وسط مؤشرات متزايدة إلى فجوة عميقة تفصل بين جناح سياسي لبناني وآخر عسكري لبناني إيراني. وهو ما تُرجم ميدانياً عبر التصعيد الصاروخي الذي شنّه الحزب فجر الاثنين الماضي؛ في خطوة منفردة افتقرت للغطاء السياسي ولم تراعِ الظروف الإقليمية الحساسة. وقد أدّى هذا التحرُّك العسكري «المنفلت» إلى إضعاف هيبة الدولة التي كان قد كرَّسها إعلان الجيش اللبناني سيطرته العملانية على جنوب الليطاني، كما فتح الباب أمام احتمالات عسكرية إسرائيلية واسعة، مدفوعة بذرائع الدفاع عن النفس، في ظل غياب أي كوابح دولية أو محلية.
وعليه، انتهت المصادر في تلخيصها لحصيلة الاتصالات الأخيرة وفقدان أي مبادرة للجم التصعيد، إلى محاولة رسم خريطة الطريق للمرحلة المقبلة، تحت عنوان لا يقلّ خطورة عمّا انتهى إليه تفوّق الخيارات العسكرية على الديبلوماسية منها، إلى معادلة سيتلمّسها اللبنانيّون قريباً تحت القصف ومفادها «ولى زمن المفاوضات واستعدّوا لزمن الإملاءات».