عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي
أزمات الاقتصاد والفقر والبطالة والنزاعات والسلوكيات الاجتماعية تفتكُ بالناس... فهل من مُعالَجة؟
أزمة النموذج الحضاري
لم تعُد أزمات العالم المعاصر أحداثاً عابرة أو اختلالات جزئية قابلة للعلاج بترقيع هنا أو هناك، بل تحوّلت إلى بنية متكاملة من الأزمات المتداخلة؛ حيث يلتقي الخلل الاقتصادي مع الفقر والبطالة، وتتشابك النزاعات المسلّحة مع تدهور السلوكيات الفردية والجماعية. وتكمن خطورة هذا الواقع في كونه ليس مجرد تراكم للعيوب، بل هو نتاج نموذج حضاري، اختزل الإنسان في قيمته النفعية الأداتية، وفصل بين التنمية ومعانيها الإنسانية، وبين التقدّم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
الإنسان بوصفه نقطة الإنطلاق والغاية
ينطلق أي تصوُّر نهضوي حقيقي من سؤال الإنسان الجوهري: مَن هو؟ وما موقعه في معادلات الاقتصاد والسياسة والمعرفة والقِيَم؟ لقد أفضت النماذج التنموية السائدة إلى تحويل الإنسان إلى وسيلة إنتاج، أو عبء اقتصادي، أو مجرّد رقم في جداول الإحصاء. في المقابل، نؤكّد في تصوُّرنا النهضوي أنّ الإنسان غاية التنمية لا أداتها، وأنّ الاقتصاد والسياسة والتعليم ليست إلّا أدوات ووسائل لخدمته وصَون كرامته.
وتقوم هذه الرؤية على أربع ركائز متلازمة، لا يمكن فصلها في أي مشروع حضاري متوازن: العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، الاستدامة الشاملة بيئياً واقتصادياً واجتماعياً، القيم الإنسانية المعنوية الأساسية من اقتصاد السوق إلى اقتصاد المسؤولية.
تكشف الأزمات المالية المتكرّرة، وآخرها لم تكن استثناء، أنّ اقتصاد السوق المنفلت، حين ينفصل عن الضوابط الأخلاقية والقانونية، يتحوّل من أداة للنمو إلى مصنع لإعادة إنتاج الفقر وتعميق اللامساواة. فالنمو الاقتصادي، إذا لم يُضبط بالعدالة الاجتماعية وبشبكات الأمان، يوسّع الفجوة بين الفئات الاجتماعية بدل أن يردمها، ويخلق ثراء فاحشاً للأقلية مقابل إفقار للأغلبية.
من هنا، يبرز الاقتصاد المسؤول اجتماعياً بوصفه بديلاً نهضوياً حقيقياً. يقوم هذا النموذج على أسس واضحة:
توزيع عادل للثروة عبر آليات ضريبية تضمن إعادة التوزيع، ضبط الاحتكارات العابرة للحدود وكبح جماح الشركات العملاقة، تشجيع الاقتصاد الإنتاجي المحلي وتعزيزه، بديلاً عن الاقتصاد الريعي والأنشطة المالية القائمة على المضاربات الوهمية.
إنّ العدالة الاجتماعية، في هذا التصوُّر، ليست عائقاً أمام النمو أو رفاهية لا يمكن تحمّل كلفتها، بل هي شرط أساسي لاستدامة النمو نفسه، وضمانة لسلامته المجتمعية.
الفقر والبطالة: من الإدانة إلى التمكين
يُقدَّم الفقر في الخطاب السائد الإعلامي والسياسي أحياناً بوصفه فشلاً فردياً أو نتيجة كسل شخصي، بينما هو في جوهره نتيجة بنى تعليمية واقتصادية واجتماعية غير عادلة، تنتج وتعيد إنتاج الحرمان عبر الأجيال. التصور النهضوي الذي ندعو إليه يُعيد تعريف استراتيجيات مواجهة الفقر، عبر الانتقال من منطق الإعانات الموقتة التي تخلق اتكالية إلى منطق التمكين المستدام، ومن ثقافة الرعاية الأبوية إلى ثقافة الشراكة الحقيقية.
يشمل هذا التحوّل: الاستثمار في تعليم نوعي، يرتبط فعلياً بسوق العمل ويطوّر المهارات الحقيقية، تمكين المجتمعات المحلية من أدوات الإنتاج والموارد، بما يحوّل الفئات المهمشة من متلقين للمساعدات إلى فاعلين أساسيِّين في دورة التنمية (UNDP, 2023).
أمّا البطالة، فهي ليست مجرّد غياب مصدر للدخل، بل هي قبل ذلك مساس مباشر بكرامة الإنسان ومعنى وجوده الاجتماعي. فحين يُفصل العمل عن قيمته الأخلاقية والاجتماعية، وعن دوره في بناء الذات والمجتمع، تتآكل ثقة الفرد بالنظام العام، وتتفكّك الروابط الاجتماعية، وتنتشر الأمراض النفسية والاجتماعية. لذلك، يربط التصوُّر النهضوي بين العمل ومعناه الإنساني، ويُعيد الاعتبار لكل أشكال العمل المنتج؛ قيماً وثقافة وأفكاراً وآداباً وعلوماً وإنتاجات مادية. هذا التكامل يعزّز الاستقرار النفسي للأفراد، ويحدّ من الانحرافات السلوكية، ويُعيد للعمل مكانته بوصفه فعل وجود وإبداع لا مجرّد وسيلة للكسب.
النزاعات والقيم: شرط السلام المستدام
تُدار النزاعات العالمية اليوم، في الغالب، بمنطق القوّة والمصلحة الضيّقة، لا بمنطق العدالة الذي هو منطق الحق. وهذا هو السبب الجوهري في كون السلام الذي ينتج من هذه التسويات سلاماً هشاً وموقتاً، لا يلبث أن ينهار عند أول اختبار. فالسلام المستدام والعادل لا يمكن أن يُفرض بقوّة السلاح، بل يُبنى على أساس: معالجة جذور الصراع الاقتصادية والثقافية والسياسية، الاعتراف المتبادل بالحقوق المشروعة للآخرين، واحترام الخصوصيات الوطنية والثقافية.
وفي هذا السياق، يصبح حوار الحضارات ضرورة سياسية وأخلاقية ملحّة، وليس ترفا ثقافياً أو بروتوكولاً دبلوماسياً جامداً. إنّه الفضاء الذي يمكن من خلاله بناء جسور الثقة وتفكيك صور العداء المتراكمة.
وفي العمق، لا يمكن فصل السياسات العامة عن المنظومة القيمية للمجتمع؛ إذ إنّ انهيار المنظومة القيمية والأخلاقية يسبق دوماً انهيار السياسات والمؤسسات. ومن هنا تبرز أهمية: التربية القيمية في المناهج الدراسية والمنزل، الإعلام المسؤول الذي يعزّز قيم التسامح والعمل، القيادة الأخلاقية التي تضع القدوة قبل الكلمة.
هذه العناصر تشكّل الركائز الحقيقية لضبط السلوك الفردي والجماعي، والحاضنة الطبيعية لأي مشروع نهضوي شامل.
ضرورة تاريخية لا حلم طوباوي
إنّ التصوُّر النهضوي الإنساني العالمي الذي تدعو إليه هذه المقالة ليس حلماً طوباوياً أو شعاراً رومانسياً للاستهلاك العاطفي، بل هو ضرورة تاريخية تفرضها أزمات عالم يتآكل من الداخل، ولم تعُد فيه الحلول الترقيعية المجزّأة نافعة. ولن تتحقق هذه النهضة المنشودة من دون:
- تكامل عضوي بين البُعد القيمي الأخلاقي والأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
- قيادات مؤمنة حقاً بالإنسان قبل السلطة، وبالعدالة قبل المصلحة، وبالحق قبل القوة. عندها فقط، يمكن للعالم أن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات والتكيُّف معها، إلى مرحلة تجاوزها وبناء مستقبل أكثر إنسانية وكرامة للجميع.