الحياد المنحاز
د. عبدالله ريشا
Wednesday, 18-Feb-2026 07:25

لبنان هو من الدول التي تفقد عِلّة وجودها إذا ما فقدت دورها المركزي، فلا اقتصاد قوياً أو جيش قوي (وفق المعايير الدولية)، أو حتى هوية متمكِّنة جامعة قادرة على اجتياز الأخطار والمحن. هكذا كان عام 1920، وهكذا بقي بعد اجتيازه المئوية الأولى.

لن ندخل في تحليل أسباب عدم تمكُّنه من تثبيت هذا الثالوث الضامن لأغلبية الدول المترسخة، فهي أسباب ينقسم عليها اللبنانيّون إلى حدّ التصادم، بل سأكتفي بوصف الدور الذي على أساسه كانت البداية الرنّانة والنهاية المزلزلة، إذا صحّ التعبير؛ بداية اكتسبها لبنان بانتزاعه، في لحظة جيوسياسية معيّنة، دور المصرف والمرفأ، ليرسم لنفسه نهج الوسطية والحياد، باستثناء موضوع وجود إسرائيل، إذ كان طرفاً في رفض أحقية هذا الكيان بالأرض والدولة، فاعتنق حياداً مبنياً على مصرف أمّن الملاذ لجيرانه العرب، وعلى مرفأ ربط بين الشرق والغرب، ونظام حرّيات فردية وسياسية ضمن نموذج متنوّع، وصل إلى حدّ بلوغه مرتبة الرسالة السماوية.

 

انفجر المرفأ وتفجّر المصرف، ليفقد لبنان دوره وربما عِلّة وجوده، من دون أيضاً الدخول بتحليل هوية المفجِّر؛ اختلف اللبنانيّون على تسميته واتفقوا على هوية المستفيد، من دون أن يكون لديهم الجرأة بالجمع بينهما. نجد أنفسنا اليوم أمام مسؤولية حياكة دور جديد، أو ربما إنعاش دورنا الأساسي بغية الاستمرار بالوجود والتعايش مع التغيّرات المستجدّة، مع علمنا المسبق أنّنا سنقع في جدلية حول كيفية قراءة هذه التغيّرات؛ فمعظم اللبنانيِّين يتأثرون، وهذا شيء طبيعي، بالأحداث لا بالأرقام والربط والتحليلات.

 

بمعنى آخر، يجد السواد الأعظم من المحلّلين والسياسيِّين والإعلاميِّين، أنّ اغتيال السيد حسن نصر الله، والضربة الموجعة التي تلقّاها "حزب الله" ووصلت إلى حدّ الهزيمة العسكرية، وسقوط نظام الأسد، وسقوط غزة وحركة "حماس" بشكل شبه كلّي، كذلك الأمر اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، والضربات النوعية على إيران، وقوّة ترامب في إرباك "الناتو" والأوروبيِّين واحتلال الإعلام ومنصات التواصل، كلّها تشي بانطلاق عصر أميركي عالمي ودور إسرائيلي إقليمي ناظم.

 

أصحاب هذه النظرية الموثّقة بأحداث مشهودة لا يرَون أنّ أمام الدولة خيارات كثيرة أو ترف التحدُّث عن إحياء دور جديد غير الدور الإلزامي الذي رسمه لنا القدر وقوّة التكنولوجيا.

تواجه هذه الفئة من اللبنانيِّين فئة أخرى تعترف بقوّة هذه الأحداث، لكنّها لا تُسلِّم بالانخراط بارتداداتها، بل توحي بانتظار لحظة جيوسياسية جديدة ينقلب فيها خصوم إسرائيل والولايات المتحدة، ويخلطون الأوراق ويوقفون الظلم والهيمنة.

 

قد لا تكون هذه القراءة موجّهة إلى الفئة الأولى المنبهرة، التي لا تجادل خارج الأحداث والعواطف المرتبطة بهذه الأحداث، أو الفئة الثانية المتصلّبة التي تمتثل لأفكار ثابتة لها علاقة بالقيم الأيديولوجية، بل إلى قلة تبحث عن دور يناسب لبنان، أولاً، بتنوّعه وموقعه في مستقبل المنطقة والعالم، وثانياً استناداً إلى موازين القوى الحقيقية لا الصورية، المرتكزة على دراسات وأبحاث وتحليلات تستند إلى المعطيات التالية:

 

1 - إنّ الولايات المتحدة على تراجع نسبي، ولن تكون الناظم الوحيد لمجريات الأحداث والعالم والمنطقة، وهي تعترف بذلك بتقريرها للأمن القومي الذي صدر مؤخّراً، وتتحدث عن منطقة نفوذ مستقبلية حدّدتها بالشطر الغربي للكرة الأرضية، واعترفت أنّها لن تكون شرطي العالم، ولن تتكبّد موازنات ضخمة لدعم الحلفاء، وهو تحوّل جذري وقراءة نقدية للعهود الأميركية السابقة.

 

2 - إنّ الصين، من ناحية أخرى، هي اقتصاد صاعد، ودولة ذات نفوذ شرق أوسطي، اقتحمت غالبية الحكومات عبر اتفاقات اقتصادية وسياسية (الاتفاق الإيراني- السعودي، واتفاق "حماس" ومنظمة التحرير)، وهي تساند إيران وشاركت بإفشال الإنقلاب الأخير على نظامها.

 

3 - إنّ "7 أكتوبر" لم يكن بداية لعصر إسرائيلي، بل بداية نهاية قوّة إسرائيل ودورها التاريخي عبر وقف اتفاقيات أبراهام وتراجع شعبيّتها في كل العالم العربي وأوروبا، وخصوصاً الولايات المتحدة، حيث التراجع الموصوف لـ"إيباك"، أي اللوبي الداعم لإسرائيل، ما يشي بوصول جيل قيادي جديد إلى البيت الأبيض غير داعم لإسرائيل، بحسب استطلاعات "رويترز"، جامعة "سيينا"، "واشنطن بوست"، و"نيويورك تايمز".

 

4 - إنّ إسرائيل أصبحت عاجزة عن حماية الممرّات الاستراتيجية، على غرار ما كانت تقوم به في العقود السابقة، وهي تفتّش عن أحلاف جديدة توصلها إلى هرمز وإلى أرض الصومال واليمن، وفقدت أيضاً دورها الثاني القائم على حماية الغرب بعد مشهد حماية الغرب لها من الهجمات الصاروخية الإيرانية.

 

5 - إنّ القاعدة الصلبة للولايات المتحدة تزعزعت؛ فـ"الناتو" شبه مفكّك، والخليج بدأ مغامرة الانقسام السعودي الإماراتي مع تقارب إيراني- سعودي عرّابته بكين، والغرب بالمفهوم التقليدي انهار، وأصبحت الولايات المتحدة تواجه الأوروبيِّين في أوكرانيا.

6 - إنّ إيران ضعفت وتراجعت في مشروعها القاضي بإدخال الدول القريبة بمشروع "وحدة الساحات المقاومة"؛ فالمقاومات لا تعتمد إلّا ساحة الأمن القومي والمصلحة الوطنية.

 

مقاييس جديدة تشي أولاً بدخول المنطقة بفترة ضبابية مثقلة بالأخطار، وثانياً تؤكّد الاتجاه نحو عالم جديد متعدّد الأقطاب وليس أحادي القطب، فالولايات المتحدة قوية جداً لكن أضعف بكثير، وإسرائيل متفوّقة جداً وأضعف بكثير ممّا كانت عليه سابقاً، ومحاصَرة من أحلاف بدأت تتشكّل.

 

من هنا تفكّر هذه الفئة الثالثة من اللبنانيِّين باستعادة دور حيادي للبنان الجديد؛ حياد منحاز إلى أحلاف إقليمية بدأت تعتمد بدائل للحماية الأميركية، من دون مخاصمة الولايات المتحدة، وشراكات متعدّدة جديدة من دون التخلّي عن الشراكات التاريخية، تُعيد للبنان المرفأ والمصرف، وحياد مسلّح يُعيد بناء الجيش اللبناني من دون سقف وضوابط تتعلّق بأمن إسرائيل.

 

إنّه دور لبنان الجديد القادر على جمع كل المكوّنات تحت سقف دولة قوية تعتمد الحياد المنحاز للحياديِّين.

الأكثر قراءة