القلق الذي دفع رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد إلى زيارة بعبدا، بعد قطيعة، هو الآتي: ماذا سيحمل لنا قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن. وسبب هذا القلق أنّ هدف الأميركيين واضح: نزع السلاح. وباستثناء ما أعلنه ليندسي غراهام عن لقائهما الذي انتهى بصدمة، لم يرشح شيء واضح عمّا دار في المحادثات هناك، لكن المؤكّد أنّ هيكل بذل كل جهد ممكن لإقناع الأميركيين بضرورة أن يتفهموا مطالب لبنان، التي كلّفه بنقلها أركان الحكم جميعاً متوافقين ومتضامين.
المثير هو أنّ كثيراً من الإعلاميين واظبوا على وصف نتائج المحادثات التي أجراها هيكل في واشنطن بـ»الإيجابية». لكن أحداً لم يشرح على أي أسس هي كذلك؟ فبالنسبة إلى لبنان، تكون النتائج «إيجابية» إذا تمكّن هيكل من إقناع الأميركيين بالتريث في تنفيذ عملية نزع السلاح أو حصره إلى أن توقف إسرائيل عملياتها وتسحب قواتها من النقاط التي تتمركز فيها وتسمح بإعمار القرى المدمّرة وعودة الأهالي إليها وتعيد الأسرى. وتكون إيجابية كذلك إذا قرّرت واشنطن تقديم الدعم الذي يطلبه الجيش، من دون اشتراط نزع السلاح. ولكن في الواقع، كل مواقف إدارة ترامب تؤكّد التمّسك بشرط نزع السلاح بكامله. وهذه الإدارة ألغت زيارة قائد الجيش سابقاً، لأنّه لم يبد استعداداً لتنفيذ قرار نزع السلاح شمال النهر. وبالتأكيد، هي لم توافق على تحديد الموعد الجديد، لو لم يطرأ تغيير على مواقف أركان الحكم.
منطقياً إذاً، يصعب إلى حدّ الاستحالة أن تكون زيارة هيكل «إيجابية» من منظور لبنان الرسمي، أو «حزب الله». وفي أي حال، الأرجح أنّ «الحزب» يتقصّى المعلومات عنها باهتمام، ويعرف كثيراً من التفاصيل. ولذلك سارع رعد إلى بعبدا.
بالتحليل البسيط، عندما يتوجّه قائد جيش لبنان، البلد الصغير والضعيف، إلى عاصمة هي اليوم في ذروة توسيع نفوذها عبر العالم، لا يمكن أن يحاورها من الند إلى الند. وللتذكير، ترامب دعا رئيس أوكرانيا زيلنسكي إلى مكتبه، وتحت أضواء الشاشات، أرغمه على قبول ما لم يكن يقبل به. ثم استقبله مجدداً مع قادة قوى أوروبا العظمى، وأجبرهم على قبول ما يريد. وهو خطف مادورو من معقله في فنزويلا، ويطالب بضمّ كندا وغرينلند. وأخيراً، أرغم طهران على التفاوض تحت طائلة الضربة العسكرية الساحقة. ففي هذا المناخ، هل يتصور أحد نفسه مكان قائد الجيش يجري المحادثات في واشنطن؟
بكل بساطة، الأميركيون يطلبون من لبنان وحكومته وجيشه التزام نزع السلاح بالكامل، في شمال الليطاني كما في جنوبه، وإلّا فإنّهم سيرفعون غطاءهم عن لبنان، فتتولّى إسرائيل تنفيذ العملية بالقوة. وهذا ليس استنتاجاً بل هو أمر واقع واضح يعبّر عنه الأميركيون صراحة، ويؤيده العرب والأوروبيون، ويلوّح به الإسرائيليون، بل إنّ هؤلاء يقومون بتظهير ملامحه الأولى كل يوم، ويهدّدون بالأسوأ.
لذلك، ولئلا يسقط اللبنانيون في أوهام «الإيجابية» الغامضة، يجدر بهم أن يعرفوا ما ينتظرهم إذا لم يلتزموا تطبيق تعهدهم الوارد في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، أي نزع السلاح، في جنوب النهر أولاً ثم تباعاً في كل المناطق الواقعة شماله. وفي المرحلة القريبة، نزعه من منطقة ما بين النهرين الليطاني والأولي.
في تقدير «حزب الله» أنّه سينتظر عودة هيكل ليُبنى على الشيء مقتضاه. ولكن، لا معنى لهذا الانتظار. فـ»الحزب» نفسه لو كان في واشنطن، يفاوض الأميركيين ماذا كان سيفعل؟ وما قاله هيكل في اجتماعه مع ليندسي غراهام كان «شبه انتحاري»، ولا يمكن لأحد أن يُطلب منه سقف أعلى. وللإيضاح، ها هي طهران نفسها، بنظامها وبالنووي والصواريخ البالستية وبمقدراتها النفطية وكل أجنحتها الإقليمية، مضطرة إلى مفاوضة واشنطن تحت وطأة التهديد بضربة ساحقة، ويشمل ذلك كل مقومات القوة التي يملكها النظام، وهي تدرك عواقب المعاندة.
من مصلحة «حزب الله» ولبنان الرسمي أن يسلكا طريق الواقعية وينقذا البلد وأهله من الاستحقاقات الخطرة والمواعيد الساخنة جداً المتوقعة على ضفاف الليطاني، لأنّ أعداد الضحايا فيها ستكون موجعة جداً وحجم الخراب سيكون مريعاً. وقبل عودة هيكل إلى بيروت أو بعدها، لا فارق، على لبنان أن يتصرّف هذه المرّة كما يملي العقل، لا الشعارات التي ستقود إلى الأسوأ.