لا يمكن للكرملين هزيمة أوكرانيا أو الغرب، بل من المرجّح أن يخسر إذا قرّر الغرب تكثيف جهوده لمقاومة روسيا، لأنّ قدراته تتفوّق بشكل كبير على قدرات روسيا في جميع المجالات. فعلى سبيل المثال، إجمالي الناتج المحلي لدول حلف الناتو، ودول الاتحاد الأوروبي غير الأعضاء في الحلف، بالإضافة إلى حلفاء الغرب في آسيا، يتجاوز 63 تريليون دولار، بينما الناتج المحلي الإجمالي الروسي يبلغ حوالى 1,9 تريليون دولار. والدعم الذي تقدّمه إيران وكوريا الشمالية محدود، بينما تساهم الصين في دعم روسيا لكن من دون التزام كامل. فإذا قرّر الغرب شنّ هجوم مضاد، فسيخسر الكرملين بالتأكيد.
استراتيجية التضليل الروسية
لكنّ فكرة استحالة فوز روسيا في الحرب ليست سوى جزء من استراتيجية تضليل إعلامي، تهدف إلى إخفاء الهدف الحقيقي للكرملين. أمل روسيا الوحيد في النجاح يكمن في إبعاد الولايات المتحدة عن التدخّل المباشر في الصراع، ممّا يسمح لها بمواجهة أوكرانيا منفردة.
بعد ذلك، ستسعى موسكو إلى تحقيق أهدافها التالية، محاولةً عزل أوكرانيا عن المجتمع الدولي. يحتاج الكرملين إلى جعل الولايات المتحدة تعتقد أنّ التدخّل لن يكون له فائدة، وأنّه لا يمكن وقف انتصار روسيا في أوكرانيا. تكمن قوّة بوتين في قدرته على توجيه قرارات الغرب وأوكرانيا وكذلك الداخل الروسي نفسه. بالتالي، فإنّ استراتيجيّته ليست في الحرب العسكرية المباشرة، بل في تغيير التصوُّرات الغربية حول الواقع وإجبارهم على اتخاذ قرارات تصبّ في مصلحة روسيا.
التلاعب بالرأي العام الغربي
استهداف الكرملين لا يقتصر فقط على وسائل الإعلام الغربية، بل يسعى إلى دمج مشاعر حقيقية وحجج مشروعة ضمن النقاشات العامة، ممّا يجذب صنّاع القرار من مختلف الأطياف السياسية ويحقق نجاحاً جزئياً في جميع الفئات. التلاعب بالرأي العام يُعتبر من الأدوات الرئيسية التي يستخدمها الكرملين في معركته ضدّ الغرب، إذ يسعى لإقناع الغرب بأنّ الحرب في أوكرانيا لا تستحق المزيد من الجهد وأنّ التنازل لروسيا هو الخيار الأفضل. هذه الاستراتيجية تُعدّ مفتاحاً رئيسياً لنجاح روسيا في الحرب.
القدرة الأميركية على إبطال الاستراتيجية الروسية
بفضل قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية في الوقت المناسب، تستطيع الولايات المتحدة إبطال استراتيجيات الكرملين. إذا دعمت الولايات المتحدة أوكرانيا بشكل حاسم وبالوقت المناسب، فسيكون ذلك كفيلاً بوقف تصعيد روسيا. التحوّلات الكبرى التي حققتها أوكرانيا وحلفاؤها في هذه الحرب، هي نتيجة لهذا الوضوح الاستراتيجي، في حين أنّ الفرص المفقودة في ساحة المعركة ناتجة من فشل الغرب في التفاعل مع الواقع بالسرعة المطلوبة.
استراتيجية الكرملين: التلاعب بالواقع
يُركّز الكرملين على إجبار الغرب على قبول روايات زائفة حول الواقع، مثل الزعم بأنّ انضمام أوكرانيا لحلف الناتو يُشكّل تهديداً مباشراً لروسيا، أو أنّ أوكرانيا ليست دولة حقيقية. هذه الادّعاءات الزائفة تُستخدَم كذريعة لشنّ الحرب، وهي جزء من الاستراتيجية الروسية التي تهدف إلى فرض هذه الروايات على الغرب. ومحاولة تقليل الغرب من شأن هذه الأكاذيب هي فخ إعلامي روسي يهدف إلى تغيير تصوُّرات الغرب حول الحقائق الأساسية.
يسعى الكرملين إلى التأثير على القرارات الغربية من خلال استهداف تصوُّراتنا حول التكاليف والمخاطر والفوائد، ويُحاول تصوير المقاومة الأوكرانية على أنّها «تصعيد» أو «تدخّلات غير ضرورية». هذا يؤدّي إلى خلق واقع زائف في الغرب، إذ يصبح التدخّل أو المساعدة لأوكرانيا في نظر البعض خياراً محفوفاً بالمخاطر وغير مستحق. هدف الكرملين هو جعل الغرب يتبنّى هذه التصوُّرات الخاطئة، ويمنع اتخاذ القرارات التي تصبّ في مصلحة أوكرانيا.
تضليل الغرب: التركيز على تفاصيل
غير مهمّة
الكرملين يعمد إلى إغراق النقاش الغربي في تفاصيل تاريخية أو افتراضية غير ذات صلة بالحرب الحالية. على سبيل المثال، لا علاقة لتاريخ «كييف روس» بالحرب الراهنة، كما أنّ فكرة «حماية الناطقين بالروسية» في أوكرانيا هي مجرّد أكذوبة روسية تهدف إلى تبرير الهجوم على أوكرانيا. في حين أنّ الحقيقة هي أنّ روسيا معتدية، فإنّ النقاشات الغربية حول هذه المواضيع غير المثمرة تجعل الغرب يتجاهل الحقائق الجوهرية للصراع.
السلام والاستسلام
يستغل الكرملين مفهوم «السلام» لتشويه المعركة. السلام في سياق روسيا يعني استسلام أوكرانيا وليس إنهاء الصراع بشكل عادل. يُمكّن الكرملين الغرب من الوقوع في فخ مصطلحات ملطفة مثل «وقف إراقة الدماء»، بينما الحقيقة هي أنّ التوقف عن القتال لا يعني توقف القتل في الأراضي المحتلة. بالنسبة إلى روسيا، يُعتبر السلام مجرّد وسيلة لتحقيق استسلام أوكرانيا، وهو ما يسعى إليه الكرملين بكل الوسائل.
يُصوّر الكرملين أي عمل دفاعي من قِبل أوكرانيا أو الغرب على أنّه «تصعيد». ويميل الغرب أحياناً إلى قبول هذه الرواية، معتقداً أنّ مقاومة العدوان هي العامل المُسبِّب في تفاقم الحرب. الحقيقة تكمن في أنّ روسيا هي المعتدي الرئيسي، وأي إجراء دفاعي من قِبل أوكرانيا أو الغرب هو حق مشروع، وليس تصعيداً غير مبرّر.
أخيراً، يعتمد الكرملين على إضعاف عملية صنع القرار في الولايات المتحدة عن طريق استغلال التوترات الداخلية والاختلافات بين الأطياف السياسية. استراتيجيّته تقوم على تغيير التصوّرات بدلاً من التركيز على الحقيقة العسكرية، ممّا يعزّز عدوانهم ويُضعِف الردود الغربية الفعّالة.
بينما تزداد حدّة التحدّيات أمام الغرب، تبقى الفرصة قائمة لوقف هذا التأثير، من خلال اتخاذ قرارات استراتيجية في الوقت المناسب، ودعم أوكرانيا بشكل مستمر لتحقيق سلام دائم يقوم على احترام سيادتها.