تستند رمزية «ليموناضة بالنعناع» إلى استعارة ذكية في مقاربة المشكلات المعاصرة، تقوم على الحوار الهادئ بدل التشنج، وعلى الإقناع بدل التسلّط. هذه الرمزية لا تُستخدم كزينة لغوية، بل كمدخل فكري يهدف إلى تقديم أفكار منعشة تخفف حدّة التوتر، تمامًا كما يفعل هذا المشروب البسيط في الواقع، حين يرطّب الجسد ويخفف الإجهاد، بفضل خصائص الليمون المنعشة والنعناع المهدّئة.
في هذا السياق، يصبح المشروب رمزاً لحلول الأزمات، على غرار استخدامه في معالجة نزلات البرد والسعال، ودلالة إلى التهدئة والانتعاش، بما يحمله من معانٍ مرتبطة بالراحة النفسية وفتح مساحات الحوار. وهو أيضاً صورة مجازية لجلسة استرخاء فكرية، تُتبادل فيها الرؤى والأفكار بعيداً من الصخب والانفعال.
من هذه الرمزية تنطلق تجربة المؤرّخة الإيطالية باولا كاريدي، التي طُلب منها في إحدى محاضراتها الثقافية، وأمام جمهور واسع، من شاب مصري، أن تكتب كتاباً يشرح حقيقة العرب كما هي، لا كما تُقدَّم في المخيِّلة الغربية. كاريدي، الحاصلة على الدكتوراه في تاريخ العلاقات الدولية، عاشت في العالم العربي منذ عام 2001، واضعةً لنفسها هدفاً واضحاً: نقل صورة واقعية للإيطاليِّين وللغربيِّين عموماً عن المجتمعات العربية، بعيداً من القوالب النمطية التي تختزل العربي في صورة الإرهابي الجاهل، الساكن بين الجِمال أو في كهوف الصحارى ومرتفعات تورا بورا.
في كتابها، تناولت كاريدي المجتمع العربي من زوايا متعددة: الثقافة، الهوية، الإعلام، التعليم، الاقتصاد، والسياسة. ومن الواضح أنّها قرأت الواقع العربي بعمق، إذ فاجأت كثيراً من النقاد، ولا سيما أولئك المعروفين بعدائهم للعرب، بما كتبته عن الشباب العربي، وعن سعيهم الحثيث ورغبتهم الصادقة في تحقيق الحرّية. بدا تحليلها، في أكثر من موضع، كأنّه استشراف مبكر لما سيحدث لاحقاً، حين سبقت الثورة التونسية غيرها من الثورات العربية.
لهذا السبب خصَّصت المؤلفة صفحات عدة للحديث عن المدوّنين التونسيِّين، وعن ثقافة تداول المعلومة، وعن رغبتهم في نقل تجربة الحرّية الافتراضية من الفضاء الرقمي إلى الواقع الملموس. وعلى رغم من أنّ الكتاب موجّه أساساً إلى القارئ الغربي، إلّا أنّه لا يقلّ أهمّية للقارئ العربي، إذ يكشف أنّ كثيرين منا لا يعرفون عن مجتمعاتهم بقدر ما عرفته هذه المؤرّخة القادمة من خارج الدائرة الثقافية العربية. من هنا تأتي أهمية الكتاب، وما يحمله من دعوة صريحة لإعادة النظر في الذات كما في نظرة الآخر.
في كتابها «عرب لا نراهم: أولئك الذين لا نعرفهم... أولئك الذين ليسوا إرهابيِّين»، تطرح كاريدي حقيقة صادمة لكنّها موثّقة: المسلمون، والعرب منهم على وجه الخصوص، أصبحوا ضحايا صور نمطية وأحكام مسبقة تضعهم جميعاً في خانة الإرهاب، إلى حدّ باتت فيه كلمة «عرب» مرادفة لكلمة «إرهابي» في الخطاب الدارج. هذه الصورة أدّت، بحسب الكاتبة، إلى نوع من العزلة الذاتية، إذ يجد العرب أنفسهم محاصرين بتصنيف جاهز لا يتركونه بسهولة.
تدين كاريدي الغرب، خصوصاً منذ ثمانينات القرن الماضي، لتكريسه هذه الصورة الزائفة بهدف التغطية على واقع عربي مختلف كلّياً. تقول إنّ العالم العربي أبعد ما يكون عن تلك الصورة العبوسة المخيفة التي روّجت لها وسائل الإعلام لسنوات. إنّه عالم يعجّ بـ«العرب غير المرئيِّين»: ناشطات نسويات يناضلن ضدّ التمييز والعنف، يطالبن بتكافؤ الفرص، وشباب يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي بحثاً عن الديمقراطية والحرّية ومستقبل أكثر عدالة لهم ولبلدانهم.
يقدّم الكتاب رؤية إنسانية معمّقة تسعى إلى تفكيك الصور النمطية الغربية التي ترسخت بقوة بعد أحداث 11 أيلول 2001. ويُركّز على تنوّع المجتمعات العربية من المغرب إلى الخليج، مقدّماً ما يشبه «كتالوغاً» للعرب الخفيِّين: أفراد عاديِّون، مثقفون، مدوّنون، ونساء، يشكّلون النسيج اليومي للحياة العربية بعيداً من التنميط. كما يبرز دور الإنترنت، والتعليم، والثقافة الشعبية في إعادة تشكيل الهوية العربية، داعياً إلى حوار ثقافي يتجاوز إرث الاستشراق.
يبدأ الكتاب برمزية «ليموناضة النعناع»، للإشارة إلى غنى الثقافة العربية المهملة في النظرة الغربية، ولا سيما في سياسات صانعي القرار في تلك المرحلة، مثل إدارة جورج دبليو بوش. تنتقد كاريدي الصورة الإعلامية التي اختزلت العرب في كونهم أتباعاً لأسامة بن لادن أو بيئة حاضنة للإرهاب، وتضع في المقابل صورة ملايين الأفراد العاديِّين الذين يعيشون حياتهم اليومية بإبداع وصراع وأمل.
يعرض الكتاب تنوّع المجتمعات العربية من الدار البيضاء إلى الرياض، مركّزاً على الفوارق الثقافية والاجتماعية والسياسية، وعلى قضايا مثل دور المرأة، والدين، والدولة، وتأثير التاريخ الاستعماري وما بعد الاستعماري في تشكيل هذه الفوارق. كما يُسلّط الضوء على دور الإنترنت، ولا سيما المدوّنات، في تمكين الشباب من التعبير وتحدّي الرقابة، ويتنبّأ بدور هذه الأدوات في تعبئة الحركات الاجتماعية، كما حدث لاحقاً في الربيع العربي.
وعلى رغم من الانتقادات التي وُجّهت للكتاب لعدم تحديثه ليشمل أحداث ما بعد 2011، فإنّ هذا «النقص» يتحوّل في نظر كثيرين إلى قيمة مضافة، إذ يجعل من العمل وثيقة فكرية وتاريخية ترصد مرحلة مفصلية سبقت التحوّلات الكبرى، وتساعد في فهم جذورها وسياقها العميق.