قطر ولبنان: الدعم المفتوح بمظلة عربية
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Wednesday, 28-Jan-2026 07:34

يرى القطريون في لبنان بلداً منكوباً يستحق الدعم لكي ينطلق من جديد بكامل عافيته، ويعود إلى دوره الرائد، كما كان قبل الحرب عليه وفيه. واللبنانيون في قطر يتوزعون على مختلف المرافق، بين رجال مال وأعمال وخبراء، بمواصفات عالمية، يعملون لمصلحة شركات عملاقة، أو في إدارات الدولة، ووسائل إعلام، عدا الشركات الخاصة التي أسسوها، والاستثمارات في قطاع المطاعم والسياحة، ويعتبرون أنّ الفرص التي تؤمّنها لهم الدوحة تنطلق من محبتها لهم، وثقتها بقدراتهم، ورغبتها في قيام تعاون مستدام بين الدولتين.

تتمتع الجالية اللبنانية في قطر التي يلامس عددها 29 الفاً، عدا الذين يحملون جوازات سفر أجنبية ودخلوا إليها بهذه الصفة، وهم بالآلاف، بموقع مميز ومتقدّم، وتواصل دائم في ما بين أفرادها، وتشاور مستمر برعاية السفارة التي تنشط على خط تمتين العلاقات بين بيروت والدوحة، ومتابعة شؤون اللبنانيين العاملين والمقيمين.

 

يرى السفير اللبناني في الدوحة بلال قبلان، أنّ العلاقات بين البلدين كانت دائماً تتميز بالإيجابية والتفهم، وإنّ المسؤولين في قطر على تنوّع مسؤولياتهم، واختلاف درجاتها، لم يوفّروا مناسبة إلّا أكّدوا فيها عملاً لا قولاً، وقوفهم إلى جانب لبنان في مجالات السياسة، الإعمار، التنمية، ودعم الجيش اللبناني.

 

ومنذ «اتفاق الطائف» الذي وضع حداً للحرب وأوقفها، كانت قطر من أوائل الدول التي أعادت فتح سفارتها في لبنان، وانفتحت على كل العهود بلا استثناء، وساهمت في العديد من المشروعات الحيوية، ومَن مِن اللبنانيين لا يذكر مبادراتها في إعادة ما دمّرته إسرائيل في العام 2006، ومن ثم الدور الرئيس في حمل الأفرقاء اللبنانيين على الاجتماع في الدوحة والاتفاق في ما بينهم على إنهاء الشغور في 28 أيار 2008 بانتخاب الرئيس الأسبق العماد ميشال سليمان، وقد حمل هذا الاتفاق اسم العاصمة القطرية التي جمعت في رحابها جميع المعنيين اللبنانيين بالاستحقاق من كتل سياسية، وفاعليات.

 

ولم يتوقف دور قطر عند هذا الحدّ، فهي واكبت الأوضاع في لبنان من قرب، وخصوصاً في الأزمة الناتجة من عدم قدرة الأفرقاء على انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس المنتهية ولايته العماد ميشال عون، وكانت على تعاون مفتوح مع كل الدول المعنية بالاستحقاق: الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، المملكة العربية السعودية، جمهورية مصر العربية. ولم تكتف بذلك، بل قدّمت مساعدات سخية إلى الجيش اللبناني لكي يثبت في مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي ضربت لبنان، وأثّرت سلباً على قدراته، ووضعت مؤسساته على شفير الانهيار. وانطلق موقف الدوحة من حرصها على الحفاظ على المؤسسة العسكرية وتمكينها من تجاوز أزمتها المالية الخانقة، كي تواصل اضطلاعها بمهماتها العسكرية والأمنية.

 

إنطلاقاً من هذه الإحاطة لموقع لبنان في قطر، والدور الذي تؤديه في دعمه، تأتي زيارة وزير الدولة القطري محمد بن عبد العزيز الخليفي لبيروت، لتؤكّد لا عمق العلاقة بين البلدين فحسب، بل جدّية الالتزام بدعم لبنان في هذه المرحلة الدقيقة. وهو دعم سخي، مبرمج يتناول غير قطاع من القطاعات التي تحتاج إلى إعادة بناء وترميم وتأهيل، وخصوصاً في مجالات الطاقة الكهربائية والتغويز والتربية وسواها. لكن ما كان لافتاً هو لحظ مبلغ لإعادة الإعمار في عدد من البلدات الجنوبية، كمقدمة لعملية أوسع في هذا الاطار. إلّا أنّ الموضوع اصطدم برفض إسرائيلي لأي خطوة إعمارية في جنوب الليطاني، حتى ولو أنّ الشركة التي سيُعهد إليها أمر البناء أو تأهيل البنى التحتية، أميركية. قرار تل أبيب واضح: الربط بين إعادة الإعمار وتنفيذ المرحلة الثانية من عملية حصر السلاح في شمال الليطاني، لا عودة عنها. مما يعني إصرارها على الربط بين منطقتي النهر.

 

إنّ قطر الداعمة الدائمة للبنان قبل الحرب وبعدها، والتي لم تتخلّ عنه يوماً، لم تطلق مبادرتها بلا دعم وتنسيق دولي وعربي، وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية. فهاتان الدولتان تتشاركان الاقتناع بأنّه يجب أن لا يظل لبنان متروكاً، وأن يغرق أكثر فأكثر في مشكلاته الاقتصادية والمالية التي يزيدها الخلاف السياسي تفاقماً.

 

ومن هنا يلاحظ المراقبون أنّ اتساع مروحة الاتصالات التي قام بها موفد المملكة إلى لبنان الامير يزيد بن فرحان مع الأفرقاء اللبنانيين، يوحي بتزخيم الاهتمام العربي عموماً، والخليجي خصوصاً، بلبنان، ودفع الأمور فيه إلى مدارات توفر الحدّ الممكن من الاستقرار السياسي، والتأسيس لواقع أفضل اكثر استدامة، وإعطاء الضوء الأخضر لعودة الاهتمام العربي اليه من البوابة الأوسع.

 

إنّ التقاطع القطري- السعودي السياسي حيال لبنان في هذه المرحلة ستكون له انعكاساته الإيجابية في الداخل، وعلى علاقات لبنان مع الحكم في سوريا في ملفي عودة النازحين والموقوفين. وكذلك على نوعية العلاقة اللبنانية ـ العربية في جميع المجالات مستقبلاً. وهي كذلك ستشكّل له مظلة حماية في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وما يُحكى عن استعدادات لحرب تشنّها تل أبيب، نظراً لما للرياض والدوحة من علاقات مع مراكز القرار الدولي، وقدرتهما على التأثير في مسارها. من دون إغفال الدور الذي يقوم به البلدان لسحب فتائل التفجير بين واشنطن وطهران.

 

وفي الخلاصة، إنّ قطر لم تتخلّ يوماً عن لبنان، وإنّ التزاماتها تجاهه لم تتبدّل، سواء منفردة أو في إطار عمل دولي ـ عربي، لإخراج هذا البلد من محنته.

الأكثر قراءة