الهويات المغلقة!
محمود القيسي
Tuesday, 27-Jan-2026 06:41

«الهويات المغلقة هي تلك التي تنغلق على ذاتها وتتصلّب، رافضة التفاعل مع الآخر، وتصنع ذاكرة انتقائية تُضخّم الانتصارات وتحذف الإخفاقات، وتتلاعب بالحقائق التاريخية، ممّا يؤدّي إلى التعصُّب، الإنغلاق على الذات، ورفض التغيير، وتتجسّد في أشكال دينية أو عرقية أو طائفية تتسمّ باليقين المطلق والرفض التام للآخر المختلف، وتصبح مصدراً للصراع بدلاً من الانفتاح والتطوّر».

من هذا الأفق الإشكالي ينطلق كتاب «التفكير السياسي، والنظرية السياسية، والمجتمع المدني» لتيموثي ديل وستيفن ديلو، مرتكزاً على أطروحة مركزية مفادها أنّ المجتمع المدني لا يمكن فهمه أو الدفاع عنه بوصفه قيمة ديمقراطية، ما لم يُربَط ربطاً عضوياً بتاريخ التفكير السياسي والنظرية السياسية. فالمجتمع المدني، وفق هذا التصوّر، ليس حيّزاً اجتماعياً محايداً يقع بين الدولة والسوق، بل هو نتاج تصوّرات متصارعة حول معنى الفضيلة، العدالة، الحرّية، السلطة، وطبيعة الإنسان ذاته.
يسعى المؤلفان إلى إظهار أنّ الجدل المعاصر حول المجتمع المدني ليس نقاشاً مستحدَثاً، بل امتداد لسجال فلسفي طويل يبدأ من أفلاطون وأرسطو، ويمرّ عبر الفكر الديني، ويصل إلى رولز، وفوكو، النظرية النسوية، والتعدُّدية الثقافية. وقد حظيَ الكتاب بتقدير واسع لشموليته التاريخية ودقته المفاهيمية، على رغم ممّا وُجِّه إليه من انتقادات تتعلّق بكثافة مادّته ومَيله النسبي إلى المنظور الليبرالي التعدُّدي. ومع ذلك، يظل مرجعاً أساسياً لفهم أزمات المشاركة المدنية، تراجع الثقة العامة، وصعود الهويات المغلقة في المجتمعات الحديثة.
لا يتعامل الكتاب مع تاريخ الأفكار بوصفه سجلاً أكاديمياً جامداً، بل يقدّمه كدعوة صريحة لإعادة التفكير في المجتمع المدني كمشروع أخلاقي وسياسي مفتوح، يحتاج إلى مراجعة دائمة. ويؤكّد أنّ الدفاع عن المجتمع المدني اليوم يقتضي فهم جذوره الفلسفية، نقد افتراضاته، وتجديد فضائله، في عالم تتآكل فيه المشاركة العامة وتتعمّق فيه الانقسامات.
في سياق عالمي، تتراجع فيه الثقة بالسياسة، تضعف المشاركة، ويشتد الاستقطاب. تطرح أطروحة الكتاب سؤالاً جوهرياً حول كيفية التفكير سياسياً، وحول سبب بقاء النظرية السياسية والمجتمع المدني شرطَين لا غنى عنهما لأي حياة ديمقراطية حقيقية. لا يُقدِّم المؤلفان عرضاً تقنياً للأفكار، بل يصطحبان القارئ في رحلة فكرية تبدأ من سقراط وأفلاطون وأرسطو، وتمرّ بالفكرَين الإسلامي والمسيحي، وصولاً إلى التنظيرات الحديثة والمعاصرة، لكشف الكيفية التي تشكّل بها مفهوم المجتمع المدني عبر صراعات طويلة حول الفضيلة والحرّية والسلطة والعدالة.
يُبيّن الكتاب أنّ المجتمع المدني بناء أخلاقي هش، لا يصمد بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى مواطنين يمتلكون التفكير النقدي، وقابلية التسامح، والاستعداد للمشاركة العامة. كما يوضّح التحدّيات الكبرى التي واجهت هذا المفهوم، من الاستبداد والرأسمالية والاغتراب، إلى قضايا الجندر، التعدُّدية الثقافية، والعولمة. ومن هنا، يصبح الكتاب أداة لفهم أزمات الحاضر، ولماذا تفشل الديمقراطيات أحياناً على رغم من وفرة المؤسسات، ولماذا لا يكفي القانون من دون فضيلة مدنية حية.
يُميِّز المؤلفان بوضوح بين التفكير السياسي بوصفه نشاطاً عملياً وأخلاقياً يمارسه المواطن حين يحاكم القضايا العامة، وبين النظرية السياسية بوصفها جهداً فلسفياً منظّماً، يسعى إلى تفسير المفاهيم السياسية وتقويمها وتأسيسها. ومن هذا المنطلق، يؤكّدان أنّ المجتمع المدني لا يُبنى فقط عبر المؤسسات، بل عبر أنماط التفكير السياسي السائدة، ممّا يفسّر العودة التأسيسية إلى سقراط كنموذج للمواطن الذي يربط الفضيلة بالنقاش العام والطاعة النقدية للقانون.
يعالج الكتاب المجتمع المدني بوصفه إشكالية نظرية تتعلّق بالتوفيق بين الحرّية والنظام، ومجالاً أخلاقياً لصَون الفضائل المدنية، وبُنية اجتماعية وسيطة بين الفرد والدولة. ويناقش نماذج متعدّدة، من المجتمع المدني الليبرالي القائم على الحقوق والتسامح، إلى المجتمع المدني كفضاء للجماعات الوسيطة، وصولاً إلى علاقته المعقّدة بالسوق، كما في معضلة آدم سميث، مع التشديد على أنّ التسامح والمشاركة والاحترام ليست معطيات تلقائية، بل مكتسبات قابلة للتآكل.
يمتد التحليل إلى التقاليد الكلاسيكية والدينية، إذ يُعرض نموذج أفلاطون للمجتمع العادل القائم على تراتبية الأدوار ووحدة الفضيلة ومركزية العقل، مقابل طرح أرسطو الذي يؤسس المجتمع المدني على الصداقة المدنية والمشاركة في الخير العام. ويتناول الكتاب إسهامات أوغسطين وتوما الأكويني، والإصلاح الديني مع لوثر وكالفن، مبرزاً التوتر الدائم بين الطاعة السياسية والضمير الأخلاقي. كما يعرض للفكر الإسلامي عند الفارابي وابن سينا وابن رشد، مبيناً إمكان التفكير في مجتمع مدني أخلاقي من دون قطيعة مع الدين.
في الحداثة، يناقش مكيافيللي، هوبز، لوك، روسو، كانط، هيغل، وماركس، وصولاً إلى جون ستيوارت مل وجون رولز، قبل أن ينتقل إلى النقد المحافظ والنقد المعاصر، من نيتشه وفوكو إلى النسوية والتعدُّدية الثقافية، كاشفاً عن إشكاليات القوّة، الإقصاء، وبناء مجتمع مدني شامل.
ويُختَم هذا المسار الفكري باستحضار نبرة إميل سيوران القلقة، الذي رأى في تآكل اللغة علامة على انحطاط الإنسان، ودعا إلى ابتكار معانٍ وكلمات جديدة، في عالم استُنزفت فيه الرموز من فرط التكرار. استحضار سيوران هنا ليس ترفاً أدبياً، بل تحذير فلسفي من فراغ المعنى، خصوصاً في زمن تصعد فيه الهويات المغلقة، وتتحوّل اللغة ذاتها إلى أداة استقطاب وانقسام بدل أن تكون فضاءً للفهم المشترك.

الأكثر قراءة