عيد البشارة ولبنان الذي لم يولد بعد: المواطنية الكاملة كمدخل وحيد لقيامة الدولة
عيد البشارة ولبنان الذي لم يولد بعد: المواطنية الكاملة كمدخل وحيد لقيامة الدولة
نورا علي المرعبي
Wednesday, 25-Mar-2026 10:17

في الأوطان المتعبة، لا تعود المناسبات مجرد محطات رمزية عابرة، بل تتحول إلى مرايا كبرى نرى فيها حقيقتنا كما هي، لا كما نحب أن نتخيلها. وعيد البشارة، في معناه الأعمق، ليس فقط ذكرى دينية مضيئة في وجدان المؤمنين، ولا مجرد مناسبة مشتركة تزيّن الخطاب اللبناني كل عام، بل هو في جوهره لحظة فلسفية وإنسانية شديدة العمق: لحظة إعلان ولادة ممكنة وسط واقع لم تكتمل فيه شروط الولادة بعد. فالبشارة، قبل أن تكون خبراً ساراً، هي لحظة انتقال من المألوف إلى التحول، من الانتظار إلى المعنى، من الزمن الراكد إلى الزمن الذي يقرر أن يبدأ من جديد. ومن هنا، يبدو السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ماذا يعني أن نحتفل بعيد البشارة في وطن لم يحسم بعد ما إذا كان يريد فعلاً أن يولد كدولة مكتملة، أم أن يبقى معلقاً في منطقة رمادية بين الكيان والدولة، بين التجاور والاندماج، بين التعايش الهش والمواطنة المؤجلة؟

لبنان، في أحد أعمق أزماته، لا يعاني فقط من خلل سياسي أو ضعف مؤسساتي أو انكشاف أمني أو انقسام اجتماعي، بل يعاني من أزمة أكثر بنيوية وأشد خطورة: أزمة في مفهوم الانتماء نفسه. فنحن لم ننجح بعد في الانتقال من العيش داخل الجماعات إلى العيش داخل الدولة، ولم ننتقل تماماً من منطق الحماية الخاصة إلى منطق الحماية العامة، ولم نحسم علاقتنا بالوطن كمساحة سيادية جامعة تتقدم على كل ما عداها. ولذلك، فإن ما يبدو في ظاهره أزمة إدارة أو تعثراً دستورياً أو نزاعاً على الصلاحيات، هو في عمقه أزمة في التكوين السياسي والثقافي والنفسي للمجتمع اللبناني. فالدولة لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل تُبنى أولاً بوجود وعي جماعي يرى في الدولة مرجعاً نهائياً لا مجرد إطار تفاوضي مؤقت. وحين يغيب هذا الوعي، تصبح الدولة شكلاً بلا روح، ومؤسسة بلا سيادة كاملة، وعقداً ناقصاً بين مواطن لم يكتمل وكيان لم يُحسم.

من هنا تحديداً، لا يمكن تناول عيد البشارة في لبنان من زاوية وعظية أو وجدانية فقط، لأن رمزيته في هذا البلد يجب أن تُقرأ بوصفها سؤالاً وطنياً بالغ القسوة: كيف يمكن أن تكون هناك بشارة حقيقية لوطن لم ينجز بعد ولادته السياسية والأخلاقية؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن أمل جماعي فيما لا يزال مفهوم الدولة نفسه هشاً، والانتماء إليها مشروطاً، والثقة بها موزعة، والولاءات فيها متنازعة؟ إن المأساة اللبنانية ليست فقط في تعدد الأزمات، بل في أننا اعتدناها إلى درجة بات فيها الاستثناء هو القاعدة، والفوضى هي الإيقاع، والتوتر هو الحالة الطبيعية. وهذا الاعتياد ليس تفصيلاً عابراً، بل هو ظاهرة تستحق التوقف عندها بعمق، لأن المجتمعات حين تطيل الإقامة في اللااستقرار، تُنتج مع الوقت ما يمكن تسميته بـ "تطبيع الهشاشة الوطنية"، أي ذلك النمط من الوعي الذي يجعل الإنسان يتكيف مع غياب الدولة بدل أن يثور عليه، ويبحث عن النجاة الفردية بدل أن يطالب بالخلاص العام، ويقبل بالأمن الجزئي بدل أن يصر على السيادة الكاملة.

هذا التطبيع للهشاشة لا يمر من دون آثار نفسية واجتماعية عميقة. ففي علم النفس الاجتماعي، عندما يعيش الإنسان طويلاً في بيئة لا توفر له الأمان المؤسسي، يبدأ تدريجياً بإعادة تعريف الأمان نفسه. لم يعد الأمان حقاً مضموناً من الدولة، بل يصبح شيئاً يُنتزع عبر الشبكات الضيقة، أو يُستعار من الجماعة، أو يُفاوض عليه من خلال ميزان القوى، أو يُبحث عنه في الهجرة، أو يُستبدل بالتأقلم. وهكذا ينشأ نوع من الوعي المنهك الذي لا يحلم بدولة عادلة بقدر ما يسعى إلى تقليل الخسائر داخل غيابها. أما اجتماعياً، فإن هذا النمط يعمّق تشظي المجال العام، لأن المجتمع الذي لا يثق بالدولة كإطار نهائي، يتحول إلى جماعات تتجاور أكثر مما تتوحد، وتتفاهم على إدارة القلق أكثر مما تبني مشروعاً وطنياً. وهنا تحديداً تتآكل الفكرة الأخطر: فكرة المواطنية الكاملة والشاملة.

المواطنية الكاملة والشاملة ليست شعاراً احتفالياً، ولا مفردة نخبوية للاستهلاك الثقافي، ولا مجرد تطوير لغوي لمفهوم المواطنة. إنها، في الحقيقة، البنية الفلسفية والسياسية والأخلاقية التي تجعل الدولة ممكنة. هي تلك الحالة التي يصبح فيها انتماء الفرد إلى الدولة انتماءً غير قابل للتجزئة، لا يتقدم عليه أي ولاء حين تتعارض الولاءات، ولا يعلو عليه أي مرجع حين تتنازع المرجعيات، ولا يُساوم عليه أي خوف حين تُختبر الأوطان. المواطنية الكاملة تعني أن يكون الإنسان مواطناً في الحقوق بلا منّة، وفي الواجبات بلا انتقائية، وفي الانتماء بلا ازدواجية. أما المواطنية الشاملة فتعني أن الدولة، في المقابل، لا تنظر إلى الناس كجزر منفصلة أو كأبناء رعايا أو كأتباع جماعات، بل كأفراد متساوين في الكرامة القانونية والسياسية والاجتماعية، لهم المكانة نفسها تحت سقف القانون، والحماية نفسها من مؤسسات الشرعية، والفرصة نفسها في المشاركة وصناعة المستقبل. بهذا المعنى، لا تكون المواطنية مجرد علاقة إدارية بين فرد وسلطة، بل تصبح عقداً وجودياً بين إنسان ووطن.

المشكلة في لبنان أن هذا العقد لم يكتمل يوماً بصورة نهائية. لقد قامت في هذا البلد صيغ متعددة للتعايش، وتجارب كثيرة لإدارة التنوع، وتسويات متعاقبة لإعادة إنتاج النظام، لكن المواطنية الكاملة والشاملة بقيت دائماً مؤجلة، أو مجتزأة، أو محاصرة بمنطق المحاصصة والخوف والتوازنات. فالفرد اللبناني، في كثير من الأحيان، لا يشعر أن الدولة تحضنه كمرجعية أولى وأخيرة، بل يضطر إلى العبور عبر انتماءات موازية لكي يضمن حقه أو يحمي نفسه أو يثبت مكانته. وهنا يتولد أحد أخطر الاختلالات في بنية الوطن: حين لا يعود المواطن مواطناً كاملاً، بل يصبح مزيجاً من الانتماءات الوظيفية المتناوبة، يستدعي هذه المرجعية حين يحتاج خدمة، وتلك حين يحتاج حماية، وأخرى حين يحتاج نفوذاً، فيما تبقى الدولة في الخلفية، حاضرة شكلياً وغائبة فعلياً. وهذا ليس مجرد خلل إداري، بل هو تصدع في الفكرة الحديثة للدولة نفسها.

فلسفياً، لا تُقاس قوة الدولة فقط بما تمتلكه من مؤسسات أو أدوات أو أجهزة، بل بما تحققه من وحدة في المعنى. الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر السلطة فحسب، بل تلك التي تنجح في أن تكون المرجعية الرمزية العليا في وعي المجتمع. أي أن يشعر الفرد، في أعماقه، أن انتماءه الوطني ليس خياراً بين خيارات، بل هو الإطار الذي يمنح كل الخيارات معناها. أما حين يصبح الانتماء الوطني واحداً من عدة انتماءات متوازية أو متنافسة، فإن الدولة تدخل منطقة الضعف البنيوي، حتى لو بدت قائمة ومستمرة. ومن هنا، فإن الحديث عن المواطنية الكاملة والشاملة ليس ترفاً فكرياً، بل هو حديث عن الشرط الأول لقيام دولة حقيقية في لبنان: دولة لا تُدار فقط، بل تُعاش؛ لا تُطلب عند الحاجة فقط، بل تُؤمن بها النفس الجمعية بوصفها الامتداد الأعلى للعدالة والأمان والشرعية.

في عيد البشارة، تكتسب هذه الفكرة بعداً أكثر بلاغة وعمقاً. فالبشارة في معناها الروحي ليست حدثاً سطحياً، بل لحظة قبول بمسؤولية الولادة. إنها ليست فرحاً عابراً، بل استعداداً للدخول في مسار التحول، بكل ما فيه من قلق وتكلفة ورسالة. ومن هنا، فإن استدعاء عيد البشارة في السياق اللبناني لا يجب أن يكون مجرد احتفال بجمالية العيش المشترك، على أهميته، بل يجب أن يكون مناسبة لسؤال أكثر جرأة: هل نحن مستعدون لتحمّل مسؤولية ولادة لبنان الدولة؟ هل نحن مستعدون للانتقال من الخطاب إلى التأسيس، ومن الحنين إلى الفعل، ومن إدارة التناقضات إلى إعادة صياغة العقد الوطني على قاعدة المواطنية الكاملة والشاملة؟ لأن الأوطان لا تولد من الأمنيات، بل من قرارات تاريخية كبرى تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الحرية والنظام، وبين التعدد والوحدة.

إن لبنان اليوم، إذا أراد أن يخرج من دوامة الإنهاك المزمن، لا يحتاج فقط إلى إصلاحات تقنية أو تفاهمات ظرفية أو تسويات تشتري الوقت. ما يحتاجه فعلياً هو إعادة بناء المعنى الوطني من جذوره. يحتاج إلى الانتقال من مفهوم الرعايا إلى مفهوم المواطنين، ومن منطق الحصص إلى منطق الحقوق، ومن التوازن الهش إلى العدالة الثابتة، ومن التسويات المؤقتة إلى الشرعية الواضحة. وهذه النقلة لا يمكن أن تتم من دون ترسيخ المواطنية الكاملة والشاملة كمرتكز أعلى للحياة العامة. أي أن يشعر كل لبناني أن الدولة له وعليه، أنه محمي بها لا ببديل عنها، وأن كرامته لا تمر عبر باب طائفته أو زعامته أو قدرته على الاحتماء، بل عبر قانون واحد ومؤسسات واحدة وسقف سيادي واحد. عندها فقط يصبح التنوع اللبناني مصدر غنى لا ذريعة انقسام، وتصبح التعددية عنصر قوة لا مدخلاً لتفكيك المجال الوطني.

واقعياً، قد يبدو هذا الطرح مثالياً أمام ثقل الوقائع اللبنانية وتعقيداتها، لكن الحقيقة أن ما يبدو مثالياً هو، في العمق، أكثر واقعية من الاستمرار في تدوير الأزمة. فالبلدان لا تسقط فقط بسبب الحروب أو الانهيارات الاقتصادية، بل تسقط حين تفقد القدرة على إنتاج معنى جامع يستحق أن يلتف الناس حوله. ولبنان، بكل ما يحمله من طاقات بشرية وثقافية وروحية، لا تنقصه القدرة على النهوض بقدر ما ينقصه وضوح الاتجاه. لقد أثبت اللبنانيون مراراً أنهم قادرون على الإبداع والصمود والنجاح الفردي، لكن التحدي الأكبر لم يكن يوماً في القدرة الفردية، بل في تحويل هذه الطاقات إلى مشروع وطني متماسك. وهذا لن يحدث ما لم تنتقل النخبة السياسية والثقافية والاجتماعية من لغة التشخيص إلى لغة التأسيس، ومن توصيف العلل إلى بناء البديل، ومن التعايش مع الخلل إلى تفكيكه فكرياً ومؤسساتياً وأخلاقياً.

رؤيوياً، لا يمكن للبنان أن يدخل مرحلة جديدة إلا إذا أعاد تعريف نفسه على أساس المواطنية الكاملة والشاملة، لا على أساس إدارة الانقسام. فالمستقبل لا يُبنى على مجرد منع الانفجار، بل على صناعة الاندماج الوطني الحقيقي. ولا يكفي أن نتحدث عن الدولة بوصفها حلاً، إذا لم نحسم أولاً نوع الدولة التي نريدها: هل نريد دولة تتسع للجميع بصفتهم مواطنين كاملي الحقوق والواجبات؟ أم نريد فقط تحديثاً شكلياً لنظام قديم يستبدل الأسماء ويبقي الجوهر؟ هذا هو السؤال المفصلي. لأن لبنان لا يحتاج إلى إعادة ترتيب هشاشته، بل إلى شجاعة فكرية وسياسية تعيد تأسيسه على قواعد جديدة، يكون فيها المواطن مركز الشرعية، والدولة مركز الحماية، والقانون مركز الثقة، والسيادة مركز الانتماء.

من هنا، يصبح عيد البشارة أكثر من مناسبة؛ يصبح استعارة وطنية كبرى. فكما أن البشارة هي إعلان عن إمكانية الحياة حيث يبدو المستحيل أقوى، فإن لبنان بحاجة اليوم إلى بشارة من نوع آخر: بشارة وعي جديد، لا يكتفي برثاء الدولة، بل يقرر أن يولدها. بشارة تدرك أن المواطنية الكاملة والشاملة ليست مطلباً جانبياً في برنامج إصلاحي، بل هي الشرط الذي بدونه يبقى كل إصلاح ترقيعاً، وكل تسوية تأجيلاً، وكل خطاب زينة لغوية فوق بنية متعبة. البشارة الحقيقية للبنان لن تكون في خطاب مطمئن، ولا في مناسبة رمزية تُستهلك ثم تُنسى، بل في لحظة حسم وطني يقول فيها اللبنانيون، فكراً وممارسة: لا حماية خارج الدولة، لا انتماء يعلو على الوطن، لا كرامة من دون قانون، ولا قيامة للبنان إلا من بوابة المواطنية الكاملة والشاملة.

وهنا فقط يصبح السؤال الأخير جديراً بهذا الوطن: ليس متى يولد لبنان، بل هل نملك الشجاعة الأخلاقية والسياسية والنفسية لكي نكون نحن شركاء في ولادته، لا شهوداً على تأجيله؟

theme::common.loader_icon