نظام النقد الدولي من قاعدة الذهب إلى النقد المدعوم بالقوة السياسية
نظام النقد الدولي من قاعدة الذهب إلى النقد المدعوم بالقوة السياسية
غسان بيضون
Wednesday, 25-Mar-2026 07:00

شهد القرن العشرون تحدّيات متنوّعة، منها ذات طبيعة اقتصادية تسبّب بها الازدياد السكاني المتسارع، وانعكست اضطرابات اجتماعية، منها سياسية كالحروب والثورات؛ ومنها نقدية تمثلت بأزمة العملات المتتالية. وقد انصرف الرأي العام العالمي إلى التركيز على التحدّيات السياسية، باعتبارها الوحيدة القادرة على تهديد مصير السلام في العالم. وهناك مَن يرى أنّ تحقيق سلام دائم وعادل في العالم لا يتوقف عند معالجة سباق التسلّح، وإنّما يتعداه إلى القضاء على مشكلة التخلّف الاقتصادي.

أثبتت تجارب القرن الماضي، وما انقضى من الحالي، أنّ الإنفاق على الحروب لو وُجِّهت إلى التنمية الاقتصادية، لانعكس تطوُّراً على المستوى الاجتماعي؛ غير أنّ النتائج السلبية لوصول صنّاع السلاح إلى قمة السلطة في البلدان الأقوى اقتصادياً، لم تقتصر على تفويت فرص معالجة التخلّف الاقتصادي في مناطق غنية بالموارد الطبيعية، وإنّما تعداها إلى زرع بذور الفتن بين مكوّنات مجتمعاتها وفرزها على أسس دينية أو عرقية أو إتنية، تؤجّج النزاعات الداخلية وتكرّس السيطرة الخارجية على سياساتها وقراراتها وثرواتها.
على صعيد النقد الدولي، شهدت السنوات الأخيرة من القرن الماضي أزمات نقدية متلاحقة. وما أن خرج العالم من أزمة النقد الإسترليني حتى وقع في أزمة الذهب، التي ما أن تنفّس العالم الصعداء منها حتى اندلعت أزمة النقد الفرنسي واقترنت بأزمة المارك الألماني. وكانت أخيراً أزمة الدولار الأميركي المستمرة حتى اليوم. ولا نبالغ إن قلنا إنّ العالم كان يصل عند كل واحدة من هذه الأزمات إلى شفير الهاوية، وكانت الأضرار التي تنتج من اندلاع أزمة نقدية دولية تفوق تلك التي يمكن أن تنتج من أية أزمة سياسية، بدليل ما نتج من أزمة 1929 الكبرى.
لقد طرحت هذه الأزمات التساؤل حول منشأها، أهو عملة أو مجموعة عملات بحدّ ذاتها، أم إلى نظام النقد الدولي بحدّ ذاته؟ وهناك مَن كان يرى أنّ الحل هو في العودة إلى نظام الذهب، فيما هناك رأي آخر تزعّمته الولايات المتحدة، التي رأت إمكانيةً للمعالجةُ من خلال إصلاح النظام النقدي الدولي، فبادرت سلطات نقدية قيادية وازنة ومؤثرة في العالم إلى اتخاذ إجراءات عديدة ومتنوّعة، منها إنشاء «مجمّع الذهب» في العام 1961. وكان ذلك بهدف تخفيض قيمة بعض العملات وتقييم عملات أخرى على أساس تثبيت سعر المعدن الأصفر، وإنشاء سوق حرة للذهب في لندن، تعمل بموجب اتفاقيات تبادل Swap بين المصارف المركزية، إلى جانب حقوق السحب الخاصة التي انطلق العمل بها مع بداية 1970.
يتشكّّل نظام النقد الدولي من مجموعة القواعد والمؤسسات، مثل صندوق النقد الدولي، التي تحكم العلاقات النقدية، أسعار الصرف، وتسوية المدفوعات الدولية. وقد تطوّر هذا النظام تاريخياً من قاعدة الذهب، مروراً ببريتون وودز، وصولاً إلى أسعار الصرف المرنة الحالية.
تتفق الحكومات كافة على هدف تحقيق النمو الاقتصادي بأعلى معدّلات ممكنة، فتلجأ إلى السيولة الدولية لتحقيق التوازن في ميزان المدفوعات، الذي يمكن أن يقتضي سياسة إنكماشية من شأنها عرقلة النمو الاقتصادي، وتوليد البطالة.
إنّ أي نظام نقدي دولي ناجع يستوجب توفّر الشروط التالية: تأمين مصالح الدول بصورة عادلة ومُرضِية، والسماح بتحرُّك الأجهزة التلقائية لتؤدّي دورها في تحقيق توازن ميزان المدفوعات، وأخيراً القدرة على سدّ حاجة العالم إلى السيولة الدولية من أجل تسوية المدفوعات وتحقيق الازدهار. وتؤكّد محاولات معالجة أزمة هذا النظام والجهود المبذولة من مجموعة اقتصاديات كبيرة، لإيجاد نظام بديل يساهم في تحريرها من سلبيات تسلّط الدولار على عمليات التبادل الدولية، بدءاً من اعتماد العملات الوطنية في عمليات التبادل الجارية في ما بينها، لا سيما في ما يتعلّق منها باستيراد النفط والغاز، الذي يشكّل نسبة عالية من الحجم الإجمالي للتجارة الدولية. ويبدو، حتى اليوم، أنّ محاولات تجيير أزمة الدولار ومديونية الدولة الأميركية تواجه هذه الاقتصاديات بردود فعل قاسية تتمثل بإجراءات وأساليب تخرج عن اتفاقيات التجارة الدولية، وحتى عن القواعد التقليدية للسلطات النقدية المحلية، كما عن قواعد نظام النقد الدولي، من حيث العدالة وإمكانية توفير آلية تسمح بتحقيق التوازن في موازين مدفوعات الدول المتضرّرة من تسلّط العملة الدولية الواحدة.
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية شهد العالم فوضى على مستوى النقد الدولي، فكانت كل دولة تتخذ من الإجراءات ما يحفظ مصالحها الخاصة. وقد انطلق مؤتمر Breton Woods من هذا الواقع بهدف وضع الأسس العامة لتسيير الأوضاع النقدية على المستوى الدولي وتنمية التجارة الخارجية وحركة رؤوس الأموال. وكان الذهب أول هذه الأسس، الذي اشترط على الدول الأعضاء إعادة ربط نقدها بالذهب، فتُحدِّد وزناً معيَّناً من الذهب الصافي لوحدتها النقدية. وقد تميّز الدولار الأميركي وحده بإمكانية تبديله فعلياً بالذهب بالنسبة إلى الأرصدة الخارجية، فيما زالت من الوجود إمكانية تبديل الأفراد نقودهم بالذهب. أمّا الأساس الثالث، فكان تثبيت سعر الصرف، الذي تبيّن في الواقع عدم الحاجة إليه باعتبار أنّ القاعدة الذهبية كفيلة بالمحافظة على سعر صرف ثابت.
مع الوقت، انقلب الدولار الأميركي على تميُّزه في إمكانية استبداله الأرصدة الخارجية منه، فباتت الحكومة الأميركية تُصدِر كمّيات إضافية من الدولارات كلّما رأت أنّ مصلحتها الخاصة تقتضي ذلك لتحقيق بعض الأهداف السياسية أو الحربية العسكرية، كما هو الحال مع حرب فييتنام. وقد أعلن الرئيس نيكسون إبّان أزمة الدولار، بأنّ مهمّة النقد الوطني هي أولاً وقبل كل شيء خدمة المصلحة الوطنية، وإن يكن على حساب المصلحة الدولية، فبدا التعارض واضحاً بين أن يكون الدولار نقداً وطنياً وعملة دولية تُستخدم في تسوية المدفوعات الدولية وفي قياس القيم، بالوقت عينه، استناداً إلى التغطية الاقتصادية للدولار.
مع الوقت، انتقلت قوّة الدولار الأميركي من تغطيته الاقتصادية إلى قوّته السياسية، وشكّل تعاقب الاضطرابات والأزمات النقدية وتفاقم عجز ميزان المدفوعات الأميركي، سبباً جوهرياً للبحث عن إجراءات علاجيةُ، كان منها إنشاء مجمّع الذهب
(Pool de l’or) لتثبيت سعر الذهب ومنعه من الارتفاع، حسب المعلن رسمياً، فيما رأى البعض أنّ الغاية الحقيقية كانت تثبيت سعر الدولار وحمايته من الانخفاض مقابل الذهب.
اعتمد مجمّع الذهب آلية لعمله تقضي بتدخّل مصارف الدول الأعضاء في طرح كمّيات إضافية من الذهب للبيع لإعادة السعر إلى التوازن، في حال ارتفاع سعر الذهب؛ وبالعكس الإسراع إلى شراء كمّية الذهب الفائضة، في حال انخفاض سعر الذهب.
نجح مجمّع الذهب في تحقيق الغاية من إنشائه على مدى 5 سنوات بين 1960 و1965. وقد انقلب الوضع بعد ذلك، فبات دور الدول يقتصر على التدخّل، عارضة فقط الأمر الذي هدّد أرصدة البلدان الأعضاء، فألغِيَ المجمّع خلال الربع الأول من العام 1968، مع تفاقم نتائج اندلاع أزمتَي الإسترليني، حين خسرت بلدان المجمّع قيمة كبيرة من أرصدتها الذهبية.
يُعتبَر العجز المزمن المستمر والمتصاعد في ميزان المدفوعات الأميركي ومديونيّتها، المصدر الأساس للأزمات التي عرفها العالم، اعتباراً من العقد الأخير من القرن الماضي، واستمرّت من دون وجود، ما يمكن أن يجبر الحكومة الأميركية على القضاء على عجزها ويُعيد مديونيتها إلى مستويات مقبولة. وكان ذلك بداية النهاية للعصر الذهبي لنظام النقد الدولي.

theme::common.loader_icon