نموذج مجلس التعاون الخليجي بعد الحرب
نموذج مجلس التعاون الخليجي بعد الحرب
د.جوزيف ديب
Wednesday, 25-Mar-2026 06:57

خلال العقد الماضي، حرص الخليج على أن يُقدِّم نفسه للعالم بوصفه أكثر من مجرّد خزان للطاقة، إذ لم يعُد الرهان مقتصراً على تصدير النفط والغاز، بل اتجه إلى بناء منظومة تشغيلية أوسع، تجمع بين الطاقة والمرافئ والتمويل والاتصالات وCloud (كلاود) ومسار متقدِّم في الذكاء الاصطناعي، إذ ترتبط الحَوسبة بالكهرباء والكابلات ورأس المال والسياسات التنظيمية في آنٍ واحد. ومع اندلاع الحرب، لم يسقط هذا التصوُّر دفعةً واحدة، لكنّه دخل مرحلة أشدّ قسوة. ازداد ذلك وضوحاً مع ما نقلته «رويترز»، أول أمس، عن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل ضرب محطات الكهرباء والبُنية الطاقوية الإيرانية 5 أيام، بعد حديثه عن محادثات «جيدة ومنتجة»، لأنّ هذا التأجيل كشف أنّ الاختبار لم يعُد محصوراً في الردع العسكري، بل امتد إلى كلفة المساس بالشبكات التي يتوقف عليها تشغيل المنطقة كلّها.

عندها برز المعيار الفعلي في قدرة الدولة على صَون البيئة التشغيلية التي تقوم عليها هذه المشاريع وإبقائها قابلة للحياة، لأنّ المستثمر والمموِّل وشريك التكنولوجيا يَختبِرون الخليج عند أول اهتزاز جدّي، ويراقبون قدرته على إبقاء هذه البيئة متماسكة حين يمتد التوتر إلى مرافقها الأساسية.
ومن هنا، لا يجوز اختزال الأزمة الراهنة في صدمة نفطية جديدة، لأنّ مضيق هرمز، على أهمّيته، ليس إلّا الموضع الأكثر انكشافاً في منظومة أوسع. وفي هذا السياق، أوضحت وكالة الطاقة الدولية أنّ الحرب أفضت إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية، كما أشارت إلى أنّ المرور عبر هرمز تراجع من نحو 20 مليون برميل يومياً إلى مستويات شديدة الانخفاض، مع التذكير بأنّ البدائل المتاحة للإلتفاف على المضيق تبقى محدودة، لأنّ السعودية والإمارات وحدهما تملكان خطوط أنابيب تشغيلية قادرة على تجاوز هرمز جزئياً، فيما تبقى الطاقة الفائضة لهذه المسارات أقل بكثير من الحجم الأصلي للتدفق. وعند هذا الحد، يتضح أنّ أي منطقة تريد أن ترسّخ نفسها مركزاً للصناعة المتقدّمة والخدمات الرقمية وقدرات الكلاود، لا تستطيع أن تتعامل مع استمرارية الطاقة على أنّها تفصيل تقني في الخلفية، لأنّ هذه الاستمرارية جزء من جوهر العرض الذي تبيعه للعالم.
وعندما ننتقل إلى البُعد المالي، يحتاج النقاش إلى قدر أكبر من الانضباط. فقد قدّرت وكالة «ستاندرد آند بورز» أنّ المصارف الخليجية قد تواجه في سيناريو شديد السوء، تدفّقات سحب محلية تصل إلى 307 مليارات دولار، لكنّها عادت وأشارت في الوقت عينه إلى أنّ القطاع يبقى قادراً على الصمود بفضل ما يملكه من سيولة كبيرة وأرصدة لدى المصارف المركزية. وتذكّر هذه الخلاصة المزدوجة، بأنّ النظام المالي قد يبقى سائلاً وقادراً على الامتصاص، ثم يخرج من التجربة بكلفة تمويل أعلى، وعلاوات مخاطر أشدّ، وائتمان أكثر تحفّظاً، ورأس مال أجنبي أكثر انتقائية. وعليه، فإنّ القضية تتعلّق بكيفية إعادة النظر في كلفة التعامل مع المنطقة في حسابات الأسواق، لأنّ الثقة في أوقات الحرب تُعاد صياغتها باستمرار وفقاً لقدرة الدولة على إقناع الآخرين بأنّ الاضطراب لن يتحوَّل إلى حالة دائمة.
ثم إنّ أي قراءة جادة لقدرة الخليج على الحفاظ على انتظام منظومته تبقى ناقصة إذا وُضِعَت المياه في الهامش، لأنّ التحلية هي شرط من شروط الاستمرارية الحضرية والاقتصادية. وقد نبّهت نشرة علماء الذرّة إلى أنّ محطات التحلية دخلت مسرح الحرب، مذكّرةً بأنّ دول مجلس التعاون تضمّ أكبر محطات التحلية في العالم، وأنّ هذه المحطات تؤمّن ما يقارب 90% من مياه الشرب في الكويت وعُمان، ونحو 70% في السعودية. وهنا المدينة التي تريد أن تستضيف مراكز بيانات ومشاريع ذكاء اصطناعي وصناعات متقدّمة، تحتاج إلى استقرار المياه والطاقة، بالقدر عينه الذي تحتاج فيه إلى البنية الرقمية. لذلك، فإنّ أي طموح تكنولوجي جدّي يفرض إدخال انتظام الماء والكهرباء في صلب الحساب، لأنّ استقرارهما جزء من صدقية هذا الطموح وقدرته على الصمود تحت الضغط.
ومن هنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي طبقة منفصلة فوق هذه البنية، لأنّ الحديث عن مراكز البيانات والحوسبة والسيادة الرقمية يفقد كثيراً من معناه إذا بقِيَت الكهرباء والمياه والاتصالات خارج مركز الحساب. وعند هذه النقطة تحديداً، تصبح الأدبيات الحديثة حول سيادة الذكاء الاصطناعي (AI sovereignty) أكثر فائدة من الخطاب الترويجي المعتاد، إذ تلتقي «بروكينغز» و«تشاتام هاوس» و»معهد الشرق الأوسط» عند خلاصة واحدة مفادها أنّ هذا المجال يرتبط بقدرة الدولة على بناء الشروط التي تسمح بتشغيل التكنولوجيا وحمايتها تحت الضغط. وهنا تبرز The AI Doctrine of Trumponomics ضمن الإطار الفكري الذي أسستُه في Trumponomics Doctrine، حيث عالجت الذكاء الاصطناعي كأداة لإدارة الاقتصاد والحكم على مستوى السيادة التنبّؤية (Predictive Sovereignty)، أي عبر امتصاص الصدمات الخارجية قبل أن تتدحرج (absorbing external shocks before they cascade)، وعبر سرعة التوقع (forecast velocity) التي تُعيد كتابة قواعد الاقتصاد قبل أن تلحق بها السياسات التقليدية. يصبح التحدّي أمام دول مجلس التعاون في بناء هذه القدرات وتوظيفها كأداة للحُكم الاستباقي وحماية الاستقرار الاقتصادي عند الاختبار.
وعليه، فإنّ الدولة التي تنجح في تشغيل مرافقها الأساسية في زمن الحرب، تُقدِّم للعالم، إلى جانب النفط والغاز، قدرة حقيقية على الاستمرار عند الاختبار. وفي النهاية، يبقى المعيار الحاسم هو مَن يُبرهِن، بالفعل لا بالشعار، أنّ قوّة كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي تُقاس بقدرتها على إبقاء منظومتها عاملة في زمن الحرب، بما تعكسه من ممارسة حُكم وانضباط مؤسساتي واستباق استراتيجي.

مرجع المفاهيم The AI Doctrine of Trumponomics
يعود إلى Trumponomics Doctrine كما بسطتُها في:
The Official Birth of the Trumponomics Doctrine
TRUMPONOMICS: THE NEW WEALTH OF NATIONS!
المنشور على LinkedIn بتاريخ 6 نيسان 2025، بقلم Joseph Deeb
https://www.linkedin.com/pulse/official-birth-trumponomics-doctrine-joseph-deeb-4ueuf

theme::common.loader_icon