تُقدّم صوفيا كوبولا بورتريه لمُصمِّم الأزياء مارك جاكوبس، لكنّ الفيلم الوثائقي يجهد للوصول حتى إلى أبسط الاكتشافات. في الوثائقي الجديد لكوبولا عن مسيرة مارك جاكوبس في عالم الأزياء، يبدو أنّه مولع بمصطلح «بانك». يردِّده كثيراً، مستخدماً إياه للدلالة على التمرّد أو الجرأة، على الطابع المسرحي أو الوقاحة اللطيفة. يمكن لشخص أن يكون «بانك»، وكذلك حقيبة يد. ومن بين آخرين، يطلق جاكوبس صفة «بانك» على مصمِّمة الأزياء فيفيان ويستوود، راقصة الباليه كارول أرمِتاج، والفنان مارسيل دوشامب.
لكنّ Marc by Sofia ليس، للأسف، «بانك» تماماً، حتى وفق التعريف المرن الذي يقدّمه الفيلم. تفتتح كوبولا الفيلم - وهو أول عمل غير روائي طويل لها - قبل 12 أسبوعاً من عرض ربيع 2024 الخاص بالمُصمِّم، إذ يبدأ وفريقه من لا شيء سوى مجموعة من عيِّنات الأقمشة. ومن هناك، يتّبع الفيلم بُنية تقليدية مع انتقالات متكرّرة إلى محطات سابقة من مسيرته، كثيرٌ منها كانت كوبولا، الصديقة القديمة لجاكوبس، حاضرة فيه.
قد يتوقع المرء أن يمنح قرب كوبولا من المادة قدراً من الحميمية. فهذه هي المرأة التي حضرت عروضه الأولى في تسعينات القرن الماضي، وظهرت كمُلهمة في حملاته خلال العقد الأول من الألفية، وظلّت تدور في فلكه طوال تلك الفترة. لكن كلا الموضوعَين - إذا جاز لنا اعتبار كوبولا موضوعاً جزئياً لفيلمها - يبدوان في الغالب متحفّظَين. فهما صانعا قرار إبداعي يرتاحان أكثر خلف الكواليس، وربما ليسا أكثر الأشخاص ميلاً لسرد تفاصيل مسيرتيهما المهنية وحياتهما الاجتماعية، ومع تقدُّم الفيلم، يبدو أنّه يجهد للوصول حتى إلى أبسط الاكتشافات الشخصية.
تنساب المحادثة بسلاسة أكبر عندما تغدق كوبولا وجاكوبس الإعجاب على فنانين آخرين، وتحديداً التأثيرات السينمائية التي يستلهم منها جاكوبس أثناء تطوير عروضه. وبمزاوجة المقابلات مع لقطات أرشيفية، تُظهر كوبولا كيف تسلّلت لوحات الألوان وأساليب التنسيق في أفلام مثل The Bitter Tears of Petra von Kant لراينر فيرنر فاسبيندر، وHello, Dolly! لجين كيلي، وSweet Charity لبوب فوس، إلى أعمال جاكوبس. كما تحضر نجمات هوليوود الكلاسيكيات مثل ليزا مينيلي وإليزابيث تايلور بقوّة. «كل الطرق تؤدّي إلى ليز»، يتفق الاثنان بينما يستعرض جاكوبس تصميماً لبروش مستوحى من مجموعة تايلور.
تُعدّ هذه المقاطع الأكثر ثراءً في الفيلم، ليس فقط لأنّها تُقدِّم كنزاً بصرياً فاخراً من الإشارات إلى الموضة في السينما، بل لأنّها تقود إلى أهم استنتاج في الوثائقي: إنّ عروض الأزياء هي دراما خالصة. يقول جاكوبس في إحدى اللحظات: «في حياة أخرى، أود حقاً أن أكون مخرجاً مسرحياً». فعروضه على منصات العرض، المميّزة بالمكياج المسرحي، الإشارات الموسيقية، وتصميمات الديكور المتقنة، تدور أقل حول الملابس بقدر ما تتمحور حول العرض الاستعراضي نفسه. وفي صناعة غالباً ما تغرق في ثراء غير مضبوط وفخامة يصعب الوصول إليها، من المثير رؤية الأزياء الراقية مؤطّرة حول الخيال والمتعة واللعب.
ومن اللافت أنّ كوبولا ترفض إدراج صحافيِّين أو خبراء، أي «الرؤوس الناطقة» التي تلجأ إليها الأفلام الوثائقية عادة لتوفير السياق والتحليل. صحيح أنّهم لا يُفتقدون بالضرورة، لكنّ قدراً أكبر من الصرامة إلى جانب الذكريات الودودة كان سيعمّق الفصول السيرية في الفيلم. وفي النهاية، عندما تشير كوبولا إلى أنّ مَيل جاكوبس إلى الهروب من الواقع قد تكون له جذور في نشأته المضطربة، يعترف بالصلة لفترة وجيزة ثم يمضي قدماً. وكذلك يفعل الفيلم الوثائقي سريعاً.