17 أيار... 2026
17 أيار... 2026
د. عبدالله ريشا
Tuesday, 24-Mar-2026 07:24

«نقل إلينا داني شمعون في تلك الأثناء ما يُعزِّز ويُبرِّر مخاوفنا وتشكيكنا في نيات الإسرائيليِّين وما يحضّرونه للجبل وللبنان. فقد قال لنا إنّ الإسرائيليِّين مستاؤون منّا ويُريدون الاجتماع بالقادة اللبنانيِّين أمام عدسات الكاميرات وعلى شاشات التلفزيون. يحتاجون إلى أن يُظهروا لشعبهم أنّهم حققوا شيئاً ما في لبنان، وهم يهدِّدون بأنّهم، إذا لم نتعاون معهم، سيجعلون حياتنا جحيماً بدءاً من الشوف».

إنّها كلمات إيلي سالم، وزير الخارجية اللبناني السابق، في كتابه الأخير «الفرص الضائعة»، يورد من خلالها ظروف توقيع اتفاق 17 أيار تحت الضغط، والتراجع عنه تحت الضغوطات، ثم من أرييل شارون، جنكيز خان الثمانينات، إلى بنيامين نتنياهو المنتفِض على بن غوريون، علّ التاريخ لا يُعيد نفسه، فالصور المعادة باتت كثيرة ومثيرة للقلق: من التحجُّج بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي للتوغّل جنوباً باتجاه بيروت، إلى توقيع اتفاق 17 أيار بإشراف أميركي، ودولة عاجزة عن ضبط إيقاع الشارع وقوى الأمر الواقع. صور متطابقة، وبعضها الآخر غير المكتمل، ينتظر منسوباً أعلى من الترابط بين التاريخ والحاضر.

 

عام 1983، دخلت دولة إسرائيل مشروع الاتفاق من دون مشاركة الأقوى في الميدان اللبناني، أي حافظ الأسد، لتتذكّر لاحقاً بعد تصويت الحكومة اللبنانية بالإجماع على اتفاق 17 أيار، أنّ الاتفاق لا بُد أن يكون بين الأقوياء المتنازعين، لتفاجئهم صبيحة اليوم التالي بالورقة الجانبية مطالبةً بانسحاب سوري بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي، وهي الورقة التي فجّرت الاتفاق، تعلّم «الليكود» من أخطاء الماضي، وهم يشترطون اليوم شراكة شيعية قبل صفارة الإنطلاق.

 

ثمّة مَن يقرأ اليوم في كتاب إيلي سالم ويُدوّن العِبر. العماد هيكل تصفّح أوراق زيارة وزير الخارجية إلى الولايات المتحدة، وقوله لوزير الدفاع كاسبار وينبرغر إنّ الخطر على لبنان لا يتبدَّد ما لم تُقدِّم لنا واشنطن المساعدة لبناء جيش قوي، ونتأكّد من أنّ أرضنا لن تُستعمَل بعد اليوم من قِبل الآخرين لشنّ هجمات على خصومهم. وأدرك هيكل بعد 44 عاماً أنّ وينبرغر أجاب في سرّه، من دون أن يقولها علناً لإيلي سالم: «لن نُسلّحكم كي لا تشكّلوا خطراً على إسرائيل، ليعود توم برّاك بعد أربعة عقود ويفصح عمّا كان في سرّ الأميركيِّين آنذاك».

 

قراءة أخرى لسيد اليرزي في معارك الشحار الغربي التي أدّت إلى تقسيم الجيش وانقسام الدولة، صفحات كُتِبت مع تفجير مقرّ «المارينز» وانسحاب الولايات المتحدة من لبنان، وانصراف الإسرائيليِّين إلى شريطهم الأمني الذي لم يعُد آمناً بعد تشكيل مقاومة مدعومة من سوريا وإيران وأبناء الجنوب.

 

هل ثمّة مَن اتخذ قراراً استراتيجياً لدى الأحزاب السياسية والإعلام والمحلّلين والمؤثرين، بمنع التاريخ من تكرار نفسه؟ هو قرار يمرّ حصراً بدعم الجيش وتحصينه، وإنتاج خطاب سياسي وإعلامي يراعي مقتضيات مرحلة صعبة ومعقّدة تتطلّب مواقف وطنية يكون سقفها التمسك بالـ10452 كم² أولاً، مع الاحتفاظ بحق المحاسبة والتقييم لاحقاً. وحده الجيش محصّناً بعزيمة ووعي مجتمع تعلّم الكثير متصفّحاً مذكّرات كبار نستذكرهم في المحطات الوطنية الساخنة، شعب سيتحدّى التاريخ ويمنعه من تكرار نفسه، ليحفظ مستقبل وطن سئم السقطات المؤلمة وبات توّاقاً إلى بناء الدولة المستحيلة.

theme::common.loader_icon