خرائط التمزّق والتقسيم الواقعي
خرائط التمزّق والتقسيم الواقعي
طوني عيسى
Tuesday, 24-Mar-2026 07:16

​آن الأوان لتجاوز الكلام المنمَّق والدخول في صلب الموضوع: الحديث عن التقسيم في لبنان بدأ يتحوَّل أمراً واقعاً، وهو يرتسم بالدم والنار والنزوح المليوني، ولَو أنكَر المنكِرون. فما يشهده لبنان اليوم ينقلب سريعاً ليصبح عملية إعادة هندسة للجغرافيا والديموغرافيا، قد تنتهي بلبنان مشظّى واقعياً، ولو بقي «موحَّداً» على الورق.

​أخطر ما جرى في الساعات الأخيرة هو إعلان سموتريتش: «نهر الليطاني يجب أن يكون حدودنا مع لبنان». فلا أحد سيمنع إسرائيل من تنفيذ هذا التهديد، في ضوء المسار الحالي للحرب، بعد أسبوع أو شهر أو سنة. والجولان هو النموذج الحي للاحتلال الطويل، قبل إعلان الضمّ رسمياً. فإذا استمر إفراغ الجنوب من أهله الشيعة، وطال أمد الحرب، فإنّ لبنان سيتّجه إلى سيناريوهات «تقسيم واقعي»، بدأت ترتسم ملامحها بسيناريو «الأرض المحروقة» جنوب الليطاني. و​هذا السيناريو هو الأكثر خطورة ووضوحاً، وفيه تسعى إسرائيل، مدفوعةً بتصريحات قادتها اليمينيِّين، إلى تحويل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني منطقة عازلة مفرَغة من سكانها. وهذا ما سيجعل النزوح الموقت لأكثر من مليون شيعي تهجيراً دائماً على أرض الواقع، أو نزوحاً معلّقاً على أفق غير محدَّد، كما هو وضع الفلسطينيِّين منذ 1948.

 

وإذا نجحت إسرائيل في منع العودة، فسيكون لبنان أمام خسارة جغرافية لبنانية فادحة، يصبح فيها الجنوب أرضاً بلا شعب تحت السيطرة النارية، ما يدفع الكتلة البشرية النازحة للاستقرار النهائي في العمق اللبناني، مسبِّبةً ضغطاً ديموغرافياً هائلاً يُهدِّد بتغيير التوازنات في المناطق الأخرى.

 

في المقابل، ستنشأ «كانتونات الضرورة» والأمن الذاتي، إذ ستشهد المناطق التي لم تنخرط مباشرة في العمليات العسكرية (الجبل والمتن وكسروان وجبيل والشمال) حالاً من «التقوقع الدفاعي». وقضية الكرنتينا ليست مجرّد اعتراض على مخيَّم، بل هي في الواقع صرخة تُعبِّر عن رفض «الجغرافيا البديلة». وفي هذا السيناريو، بدأت القوى المسيحية والدرزية والسنّية في ممارسة نوع من «الأمن الذاتي» والإدارة المستقلة لشؤونها خوفاً من تمدُّد نفوذ «حزب الله» عبر بوابة النزوح. وبهذا، سيتحوَّل لبنان إلى مجموعة من الجزر الأمنية التي تتعامل مع «الدولة» كغطاء قانوني فقط، بينما السيادة الحقيقية تكون لِمَن يسيطر على الشارع ويحمي حدوده المناطقية.

 

​وفي هذا الخضم، سيطل سيناريو «عزل البقاع» وقطع الشريان الحيوي. فمع تزايد الضغوط الإسرائيلية على حكومة أحمد الشرع للتدخُّل شرقاً ضدّ «حزب الله»، ثمة مخاوف من سيناريو يؤدّي إلى قطع أوصال البقاع عن الضاحية والجنوب، فيتحوَّل جزيرة معزولة تعاني اختناقاً اجتماعياً وعسكرياً. وهذا العزل سيُجبر المكوِّنات الشيعية وغير الشيعية البقاعية على البحث عن خيارات بقاء مستقلة، ما يُعمِّق تفكُّك الأوصال بين الساحل والجبل والداخل.

 

وسط هذا كلّه، العاصمة بيروت قد تتحوَّل ساحة احتقان دائم. فالنزوح الهائل إلى قلبها، في الساحات والمباني العامة، قد يُنتِج لاحقاً حالات احتكاك يومية قابلة للانفجار عند أي محك أمني. وفي هذا السيناريو، قد لا تعود بيروت بالمعنى السوسيولوجي والبسيكولوجي «العاصمة الموحَّدة»، بل تُصبح مجموعة مربّعات أمنية متنافرة، ويصبح التفاعل بين أجزائها محكوماً بهواجس الهوية والتبعية السياسية.

 

بذلك، يُخشى أن يكون لبنان متّجهاً نحو نموذج «القبرصة»، ولو من دون خطوط خضر رسمية ترعاها الأمم المتحدة. إنّه «تقسيم واقعي» يتمثل في: ​جغرافيا ممزّقة وديموغرافيا قلقة، فيها يبحث النازحون عن استقرار في بيئات تخافهم سياسياً وأمنياً وطائفياً، وتريد الاحتماء اجتماعياً ونفسياً، وتظلِّل الجميع ​دولةٌ شبح: مؤسسات رسمية تُصدر بيانات لا تتجاوز جدران المكاتب.

 

​هل يمكن منع هذا التقسيم الواقعي من أن يصبح قدراً نهائياً يُطيح ما تبقى من فكرة لبنان الكبير، المختبر النادر للتفاعل الحضاري، الذي لم يعرف الكثير من أبنائه قيمته العميقة، فباعوه لمصالحهم الشخصية أو الفئوية، أو ضحّوا به على مذبح المحاور والمصالح؟

 

المسؤولون والسياسيّون أمام مسؤولية تاريخية، ليس واضحاً إذا كانوا في حجمها. فإمّا أن يطلقوا فوراً ورشة شاقة لإنتاج تسوية سيادية (ربما فات أوانها) تُعيد الدولة مرجعية وحيدة للجميع في كل شيء وعلى الجميع، بدءاً من سلاح «حزب الله» وتنظيمه العسكري والأمني وقرار الحرب والسلم، وإمّا الاستسلام للانزلاق إلى «لبنانات» صغيرة، قلقة، متصارعة وفقيرة.

theme::common.loader_icon